مجلة صوت الطلبة
العدد ٤٠
٢٥ آذار ٢٠٢٣ / بغداد
للتصفح اضغط على الرابط ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/kbrx/mobile/index.html
مجلة صوت الطلبة
العدد ٤٠
٢٥ آذار ٢٠٢٣ / بغداد
للتصفح اضغط على الرابط ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/kbrx/mobile/index.html
نشرة انتفاضة تشرين
العدد ٢٣ / سنة ٢٠٢٣
بغداد.
للاطلاع الضغط والدهول على الرابط الالكتروني ادناه.
https://online.anyflip.com/rnvg/ymof/mobile/index.html
هذا مقال ممتاز كتبه الدبلوماسي العراقي البارز السفير الدكتور سعيد الموسوي (ونشره في جريدة القدس العربي عام 2010) عن تفاصيل المعركة التي خاضتها الدبلوماسية العراقية بقيادة الدكتور ناجي صبري الحديثي وزير الخارجية في العهد الوطني ودحرت فيها الحملة الدبلوماسية الضخمة التي شنتها اميركا وبريطانيا لاضفاء الشرعية الدولية (باستخدام الأمم المتحدة ) على مشروعهما لغزو العراق واحتلاله.
والسفير الدكتور سعيد الموسوي كان رئيس دائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية في العهد الوطني ومندوب العراق الدائم الأسبق في الامم المتحدة. وكان ابرز الدبلوماسيين في فريق العمل المثابر المشار إليهم في المقال والذين عملوا مع الوزير دكتور ناجي في هذه المعركة الوطنية.
قوة الحق في مواجهة حق القوة : قصة معركة الوزير ناجي صبري ضد الجبروت الأمريكي
بقلم : السفير سعيد الموسوي
أكتب الوقائع أدناه ليس ردا على ادعاء متهافت لعميل يحاول أن ينال من قامة عراقية شامخة هي وزير خارجية حكومة جمهورية العراق الشرعية الدكتور ناجي صبري، بل من أجل الحقيقة والتاريخ ولتوثيق جهاد أبناء العراق الأصلاء. أكتبها من واقع معاش فقد تشرفت بصفتي رئيسا لدائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية بالعمل تحت قيادة الوزير ناجي صبري في جهاده من أجل وطنه وأمته والإنسانية منذ استلامه وزارة الخارجية في أواسط عام 2001 وحتى نجاحه في تجريد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق من الشرعية الأممية.
عيّن الدكتور ناجي صبري وزيرا للدولة للشؤون الخارجية في نيسان 2001 ثم تولى حقيبة الخارجية في آب 2001. في تلك الفترة كان العراق يواجه تحديا حاسما بعد وصول بوش الابن الى السلطة وقيام اليمين الأمريكي المتحالف مع الصهيونية العالمية بإعداد الخطط لغزو العراق بهدف إسقاط حكومته الوطنية وإقامة حكومة عميله لها فيه. وكانت الولايات المتحدة تراهن لتحقيق هذا الهدف على ثلاثة أمور اساسية : الأمر الأول هو الحصار الشامل المفروض على العراق منذ السادس من آب 1990 والذي كان من بين آثاره إضعاف القدرات العسكرية العراقية ونضوب القدرات المالية واللوجستية التي تعطي القدرة على المطاولة في القتال، والثاني هو استغلال أكبر عملية تزوير في التاريخ المعاصر قبل ان تتكشف الحقائق، ونقصد بذلك تمرير الغزو وسط حملة شيطنة العراق وقائده، والثالث، وهو الأهم، استثمار رفض العراق عودة مفتشي الأسلحة الذين غادروه منذ 15/12/1998 والحصول من مجلس الأمن على قرار يدين انتهاك العراق لالتزاماته ويعيد إحياء التخويل الوارد في قرار مجلس الأمن 678 (1990) باستخدام القوة ضد العراق. وحال استلامه لمهماته، وضع الوزير ناجي صبري خطة متعددة المسارات تقوم خلالها الدبلوماسية العراقية بالتصدي لهذا المخطط العدواني الأمريكي. وكانت أهم حلقة في تلك الخطة هي منع الولايات المتحدة من استخدام الأمم المتحدة غطاء لعدوانها على العراق وذلك من خلال تنشيط التعاون مع الأمم المتحدة عبر استئناف أعمال التفتيش في العراق كخطوة أولى لتنفيذ التزامات الأمم المتحدة تجاه العراق بدءا برفع الحصار وإنهاء جميع الإجراءات القسرية الأخرى. وكانت تلك مهمة عسيرة تقف أمامها صعوبات جمّة داخلية وخارجية.
الصعوبات الداخلية يقف على رأسها المزاج الرسمي والشعبي العراقي الذي يحمل مرارة تجربة التعامل مع فرق التفتيش التي كانت تستخدمها أمريكا لانتهاك سيادة العراق وأمنه وكرامة شعبه وإدامة الحصار عليه. أما الصعوبات الخارجية فتتمثل بانفراد الولايات المتحدة بزعامة النظام الدولي وانكماش دور دول عدم الانحياز والدول المتحررة بشكل عام لدرجة أن كثيرا منها أصبح يسبّح بحمد أمريكا ويشتم العراق وقيادته لاعتقاده أن ذلك خير جواز مرور الى قلب أمريكا!
واعتمد الوزير ناجي صبري في إنجاز مهمته على دعم الرئيس صدام حسين له، واستند إلى إيمانه الراسخ بأن الوقت قد حان لإن تأخذ الدبلوماسية العراقية زمام المبادرة في تصدّ اقتحامي لا يعتمد على ردود الأفعال، كما استند الوزير على صفاته الشخصية من دبلوماسية هادئة وخبرة واسعة وصبر ومطاولة، وعلى فريق عمل مثابر في وزارة الخارجية وفي دائرة الرقابة الوطنية المعنية بالتعامل مع فرق التفتيش. ووضع الوزير ناجي صبري خطة للتعامل المبدئي المرن مع ممثلي الأمم المتحدة في الملفات كافة : التعويضات، الحدود، حقوق الإنسان، المفقودين والممتلكات الكويتية، برنامج النفط مقابل الغذاء، والملف الأهم والأخطر هو ملف أسلحة الدمار الشامل المزعومة. وقد اقترنت تلك الخطة ببرنامج سياسي للانفتاح على دول العالم، وفي مقدمتها الدول العربية، كفعل اساسي مطلوب لإحباط محاولات أمريكا فرض العزلة على العراق. وبينما كانت الخطوات الأولى لهذه السياسة تعلن عن نفسها في الساحة الدولية حصل حدث خطير جعل مهمة الوزير ناجي صبري أكثر صعوبة، ونقصد بذلك هجمات الحادي عشر من ايلول 2001 على مركز التجارة العالمي في نيويورك. هذه الهجمات جعلت امريكا تشعر، للمرة الثانية في تاريخها بعد هجوم اليابان على بيرل هاربر، أنها ضحية عدوان خارجي غير مبرر وأن عليها الرد بقوة.
وإذا كان من نتائج الهجوم على بيرل هاربر دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية واستخدامها الأسلحة النووية لأول مرة في التاريخ، فإن أحداث الحادي عشر من أيلول أطلقت الهياج الجنوني لليمين الأمريكي بكل طاقته التدميرية. وبدأت أمريكا تضع الخطط للانتقام ممن اعتبرته العقبة الكأداء الوحيدة أمام هيمنتها على العالم وهو نظام الحكم الوطني في العراق بقيادة الرئيس صدام حسين. وكان أول ما تحدث به بوش في اجتماع خلية الأزمة الذي عقد في البيت الأبيض يوم 12 ايلول 2001 هو كيف تعدّ أمريكا الخطط العملية لغزو العراق. ومع أن أحداث الحادي عشر من أيلول جعلت مهمة الوزير ناجي صبري أكثر صعوبة وتعقيدا، لكنها، بالمقابل، زادت من عزيمته لمواجهة هذا التحدي. أتذكر اجتماعنا صبيحة يوم 12 أيلول 2001، وحديثه عن ضرورة استباق النوايا العدوانية الأمريكية من خلال إرسال برقية تعزية الى الشعب الأمريكي بهذه الخسارة الفادحة وتذكير الإدارة الأمريكية بإن معركة الإنسانية ضد الإرهاب والتطرف واحدة وعليهم أن يستوعبوا هذا الدرس ويسعون للسلام مع الشعوب بدلا من العدوان عليها. وللأسف لم ينل هذا المقترح موافقة الأغلبية في القيادة، وكان للرافضين أسبابهم المنطقية في عدم الموافقة على توجيه هذه البرقية. ورغم الأجواء المتوترة ونذر الحرب استطاع الوزير ناجي صبري إقناع القيادة بضرورة تحريك ملفات علاقة العراق بالأمم المتحدة من أجل نزع غطاء الشرعية الزائف عن سياسات أمريكا العدوانية ضد العراق، واستند في ذلك الى حقيقة أن الولايات المتحدة استخدمت الأمم المتحدة غطاء لارتكاب ابشع جرائم الحرب وجريمة العدوان والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة ضد شعب العراق منذ عام 1990، وأنها استطاعت الإفلات من المساءلة الدولية عن هذه الجرائم بالادعاء أنها كانت تنفذ قرارات مجلس الأمن، والأنكى من ذلك أنها أجبرت كثيرا من دول العالم على دعمها عسكريا وماديا بادعائها الدفاع عن (الشرعية الدولية) وعن (قيم العالم الحر). وأعطى الوزير ناجي صبري الأولوية لملف نزع السلاح الذي كان مجمدا منذ عدوان (ثعلب الصحراء) في كانون الأول 1998. وكانت سياسة العراق في هذا الملف منذ ذلك التاريخ تقوم على مبدأ : (نقبل التفتيش إذا رفع الحصار ولكن لا نقبل التفتيش والحصار معا). وحاول الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في مطلع عام 2001 تحريك هذا الملف من خلال إجراء حوار مع العراق من أجل عودة المفتشين، ووافق العراق على الحوار وقدم الوزير الأستاذ محمد سعيد الصحاف في جلسة الحوار مع الأمين العام يوم 26/2/2001 عرضا تفصيليا لجوانب تنفيذ العراق لالتزاماته بموجب قرارات مجلس الأمن وعرضا لوقائع إيغال المجلس وبعض أعضائه الدائمين في ممارسة كل أنواع الظلم والعدوان ضد العراق، وطالب الأمم المتحدة بتنفيذ التزاماتها المقابلة من خلال رفع الحصار واحترام سيادة العراق ووقف جميع أشكال التدخل في شؤونه الداخلية وكذلك تعويض العراق عمّا لحق به من أضرار.
وسعى ناجي صبري بعد إستيزاره لاستئناف الحوار بين العراق والأمانة العامة للأمم المتحدة معتمدا مقاربة أكثر مرونة وواقعية يصعب على الامانة العامة رفضها، وعقد ثلاث جولات بعدة جلسات لكل منها : في نيويورك في 7/3/2002 وفي 1-3/5/2002 ثم في فيينا في 4/7/2002. تقول المقاربة الجديدة : العراق لا يعترض على تنفيذ التزاماته المتبقية في قرارات مجلس الأمن وذلك ضمن أطار الاتفاق على أرضية مشتركة تجمع العراق والامم المتحدة لتنفيذ جميع متطلبات هذه القرارات فيقوم العراق بتنفيذ ما عليه ويقوم مجلس الأمن بتنفيذ ما عليه من التزامات في مقدمتها البدء بتخفيف الحصار باتجاه رفعه كليا واحترام سيادة العراق واستقلاله ووحدة وحرمة اراضيه. وقد شجّع هذا الموقف المرن الامين العام على مواصلة الحوار مما وفر وقتا كافيا للفريق الدبلوماسي والفني العراقي لسبر اغوار موقف لجنة التفتيش (انموفيك) والوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد إنقطاع دام حوالي أربع سنوات وللتعرف عن كثب على ادق تفاصيل ما تسجلانه على العراق من نقاط معلقة وما يقف وراءها وما تطلباه من العراق وسبل معالجته.
وأعطى ذلك للفريق الدبلوماسي والفني العراقي ميزة وفائدة كبيرة ساعدته على اسقاط الذرائع وغلق الثغرات وسرعة التعامل الحاسم مع فريق التفتيش عندما بدأ مهمته في العراق من جديد يوم 27/11/2002. وكان الوزير ناجي صبري في هذه الأثناء يواصل خطوات تنشيط التعاون مع الأمم المتحدة في بقية الملفات وبالذات في ملف إعادة الإرشيف الكويتي والبحث عن المفقودين وتجاوز الصعوبات في تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء. لكن الحوار مع الأمين العام وصل الى نقطة انعدام المردودات في نهاية جولة فيينا في 4/7/2002 بعد أن أعلن الأمين العام عن فشله في الحصول على أجوبة من مجلس الأمن على أغلب أسئلة الوزير ناجي صبري التسعة عشر التي قدمها في جولة الحوار الأولى المعقودة في 7/3/2002 والتي طلب فيها ضمانات بشأن حيادية ومهنية المفتشين وبشأن التزام مجلس الأمن بتعهداته المقابلة برفع الحصار واحترام أعضاء المجلس، وخصوصا العضوين الدائمين الولايات المتحدة وبريطانيا، لسيادة العراق ووحدة أراضيه وانهاء منطقتي حظر الطيران غير الشرعيتين. ومن بين الأسئلة التسعة عشر كان السؤال الأكثر إستقراء لما سيحصل في الأشهر التالية ولم يجب عليه الأمين العام ولا مجلس الأمن هو : (كيف يمكن تطبيع العلاقة بين العراق ومجلس الامن في ظل السياسة الامريكية المعلنة الحالية التي تسعى الى غزو العراق وتغيير نظامه السياسي الوطني بالقوة، وهل تضمن الامم المتحدة ان لا تقوم الولايات المتحدة بالعدوان على العراق فى اثناء استمرار عمليات التفتيش). ولقد كان عرض هذه الأسئلة المشروعة والمخاوف التي ثبت صحتها أمام الأمين العام أحد الأسباب التي دعته لإعلان موقفه الصريح بأن الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وبالمقابل، كان الامين العام يريد وعدا من العراق بالنظر في عودة المفتشين الى العراق لكي يقف بوجه الضغوط الاميركية ويواصل المفاوضات مع العراق، لكن القيادة العراقية لم تكن قد وصلت الى القناعة بعودة المفتشين، لذلك لم يعلن الامين العام عن انتهاء المفاوضات لكنه لم يتفق مع الوزير على موعد جديد مما يعني انه لن تكون هناك جولة رابعة. وجاءت سفرة الوزير ناجي صبري الى موسكو ثم الى الأمم المتحدة في ايلول 2002 لتضع النقاط على الحروف. وخلال محادثاته مع الوزير إيفانوف في موسكو أخذ تعهدا من القيادة الروسية بعدم السماح بتمرير أي قرار من مجلس الأمن يخول الولايات المتحدة استخدام القوة ضد العراق إذا تعاون العراق مع فرق التفتيش.
ومن موسكو انطلق الى نيويورك. وحال وصوله إليها بدأ اجتماعات مكثفة مع وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجلس الأمن وحركة عدم الانحياز والمجموعة العربية والدول المعنية الأخرى، وكان يعرض عليهم الحقائق فيما يتعلق بتنفيذ العراق لالتزاماته بموجب قرارات مجلس الأمن ويطلب منهم ممارسة نفوذهم لحمل مجلس الأمن على التعامل مع العراق بعدل وإنصاف وعلى أساس تنفيذ الالتزامات المتقابلة للطرفين. وفي نيويورك وصلته معلومات مؤكدة بأن وزير الخارجية الاميركي كولن باول ومجموعة من المستشارين الاميركيين والبريطانيين قد بدأوا العمل في صياغة مشروع قرار جديد تنوي الولايات المتحدة وبريطانيا تقديمه الى مجلس الأمن حول موضوع التفتيش يقدم للعراق إنذارا شديدا ومهينا ويفرض عليه مهلا زمنية قصيرة وشروطا يصعب قبولها وذلك لإجازة الحرب على العراق بدون الرجوع ثانية لمجلس الامن مما يضفي الشرعية الدولية تلقائيا على مخطط الغزو الاميركي البريطاني، فأبرق من نيويورك الى الرئيس صدام حسين طالبا موافقته على اعادة المفتشين بدون ابطاء لقطع الطريق على المسعى الاميركي البريطاني.
وقد اقتنع الرئيس صدام حسين برأي الوزير ناجي صبري ووافق على طلبه السريع، فباشر الوزير بلقاءات مكثفة مع الأمين العام للأمم المتحدة بمشاركة الأمين العام لجامعة الدول العربية للاتفاق على صيغة لعودة المفتشين في اطار السعي لضمان الاستجابة لمطالب العراق المشروعة، وأعد رسالة بهذا المعنى وجهها الى الأمين العام مساء يوم 16/9/2002 تعلن سماح العراق بعودة المفتشين كخطوة اولى نحو حل شامل يتضمن رفع الحصار الشامل عن العراق واحترام أمنه الوطني وتنفيذ بقية متطلبات قرارات مجلس الأمن. وقام الأمين العام بإبلاغ الإعلام بهذه الرسالة ونقل نصها الى مجلس الأمن. وكانت تلك الرسالة نقطة تحول كبرى لإجهاض مخطط أمريكا لغزو العراق تحت غطاء (الشرعية الدولية)، خاصة وأنها أتت بعد أربعة أيام من كلمة بوش في الأمم المتحدة التي أعلن فيها تفاصيل المشروع الأمريكي لتغيير النظام السياسي في العراق. وقد شرحت صحيفة غرين ليفت (اليسار الأخضر) الاسترالية في مقال تحليلي مفصل يوم 25/9/2002 ابعاد قرار العراق عودة المفتشين وتأثيره البالغ في احباط الاستعدادت الامريكية البريطانية لإصدار قرار يجيز الحرب على العراق باسم الامم المتحدة قائلة : (ان قرار العراق المفاجأة بقبول عودة مفتشي الامم المتحدة كان آخر ما يريده الرئيس الاميركي جورج بوش. فقد جرد القرار ادارته من ذريعة اساسية للمشروع الاميركي لغزو العراق، و شتت التحرك العراقي جهد واشنطن لإلباس الهجوم الذي تهدد بشنه على العراق بلبوس تحرك متعدد الاطراف (اي حرب باسم الامم المتحدة).
وقالت الصحيفة إن مشروع القرار الامريكي البريطاني قد صيغ على نحو مقصود لاستفزاز العراق ودفعه لرفض مطالب المجلس مما يتيح المجال للولايات المتحدة وبريطانيا شن الحرب باسم الامم المتحدة على العراق، حيث كان يتضمن شروطا شديدة الاذلال للعراق والانتهاك لسيادته الوطنية وعلى نحو يستحيل قبوله من جانب الحكومة العراقية. وقد زلزل التحرك الدبلوماسي العراقي السريع والفعال أركان الإدارة الأمريكية، فرفض البيت الابيض قرار العراق بالسماح بعودة مفتشي الاسلحة التابعين للأمم المتحدة وشنّ هجوما على الوزير ناجي صبري واتهمه بالكذب والخداع والتزوير. واعلن جورج بوش نفسه رفضه للقرار. واصدر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض بيانا قال فيه ان إعلان الوزير ناجي صبري عن قبول عودة مفتشي الامم المتحدة بدون شروط هو خدعة، وإنه يعني في الحقيقة أن العراق سيضع عراقيل في وجه المفتشين ويفرض عليهم شروطه، وانه محاولة للالتفاف على قرارت مجلس الامن. وفي يوم 19/9/2002 ألقى الوزير ناجي صبري كلمة العراق امام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحدث فيها عن اتفاقه مع الامين العام على اعادة المفتشين في اطار السعي لتنفيذ العراق والامم المتحدة التزاماتهما التي تضمن للعراق احترام سيادته وامنه الوطني واستقلاله وحرمة اراضيه وترفع عن شعبه الحصار الظالم. ونقل في كلمته رسالة من الرئيس صدام حسين تضمنت عرضا لجوانب الازمة في علاقة الامم المتحدة بالعراق نتيجة هيمنة الولايات المتحدة على مجلس الامن، وأوضح اسباب استهداف أمريكا للعراق قائلا (تريد الولايات المتحدة أن تدمر العراق من أجل أن تسيطر على نفط الشرق الأوسط وبالتالي تسيطر على سياسة العالم كله) وأعلن الرئيس صدام حسين عدم امتلاك العراق أسلحة محظورة بقوله (ها أنا ذا أعلن أمامكم أن العراق خال تماما من جميع الأسلحة النووية والكيمياوية والبايولوجية، وإذا كان أحد بينكم لا يزال يشعر بالقلق من احتمال أن تكون الإختلاقات التي يعلنها المسؤولون الأمريكيون عن العراق صحيحة، فبلدنا على استعداد لاستقبال من تختارونهم لتمثيل أي من بلدانكم من الخبراء العلميين ومن يصحبهم من السياسيين ليخبرونا بالأماكن والمنشآت العلمية والصناعية التي يرغبون في رؤيتها، ولاسيما تلك التي اختلق المسؤولون الأمريكيون القصص الكاذبة عنها). وبعد الخطاب رد الناطق باسم البيت الابيض اري فلايشر بتصريح غاضب قال فيه: (إن قول العراق انه لا يملك اسلحة نووية او كيمياوية او جرثومية هو كلام كاذب برمته). وظهرت في اليوم التالي صحيفة (نيويورك بوست) مخصصة صحفتها الأولى لصورة كبيرة للوزير ناجي صبري وقد امتد أنفه تشبيها له بالطفل الكذاب "بينوكيو" في قصة الروائي الإيطالي "كونومري"، وتحت الصورة كتبت ثلاث كلمات بالخط العريض هي (كذاب.. كذّاب.. كذاب). وتوالت الحملات على الوزير ناجي صبري لإنه بزيارته هذه الى نيويورك أصاب من الإدارة الأمريكية مقتلا.
والجدير بالذكر أن الأمريكان حاولوا إجهاض مهمة الوزير ناجي صبري في نيويورك بوسائل عديدة منها استفزازه في مطار موسكو من قبل رجال الأمن الأمريكان الذين يفتشون الركاب والحقائب المتجهة الى أمريكا ومنها إحاطة الوفد العراقي في نيويورك بعدد هائل من رجال المخابرات الأمريكية يتربصون بهم ويستفزوهم ويغرونهم بالعمالة، ومنها إرسالهم وزير خارجية إحدى الدول ليسدي النصيحة للوزير ناجي صبري بقوله (لا توافقوا على عودة المفتشين بدون ثمن، والأفضل أن تصعدوا الأزمة حتى تحصلوا على ثمن مقابل عودة المفتشين)، وكان الوزير ناجي صبري يستمع اليه ويضحك في سرّه فقد كانت اللعبة الأمريكية مكشوفة أمامه : إنهم يدفعون العراق للتزمّت ليسهل لهم تنفيذ مآربهم العدوانية. وخلال سفرة نيويورك، ومن أجل إلقاء الحجة على الجميع، وجه الدكتور ناجي صبري أن نلتقي أنا واللواء المهندس حسام محمد أمين مع مندوب بريطانيا الدائم في الأمم المتحدة السير جيريمي غرينستوك. وعقد اللقاء في مقر البعثة البريطانية في الأمم المتحدة يوم 20/9/2002 وفيه نقل لنا السفير غرينستوك تعليمات بلير وجوهرها إن بريطانيا ترحب بقرار العراق عودة المفتشين وتريد منه تعاونا كاملا معهم وأنها لا تريد غير نزع أسلحة العراق المحظورة وتعارض سياسة (تغيير النظام) الأمريكية وتسعى لإقناع أمريكا بالتخلي عن هذه السياسة. (اتضح فيما بعد أن بلير كان يكذب حتى على سفرائه فلقد كان قد اتفق مع بوش قبل هذا التاريخ على سياسة تغيير النظام في العراق كما كشفت ذلك شهادات لجنة تشيلكوت). وبعد عودته من نيويورك عمل الوزير ناجي صبري على تهيئة مستلزمات عودة المفتشين واتفق يوم 1/10/2002 مع لجنة (الأنموفيك) والوكالة الدولية للطاقة الذرية على ترتيبات عودة المفتشين، وكان في هذه الأثناء يواصل خطوات نشيط التعاون مع الأمم المتحدة في بقية الملفات وبالذات في ملف إعادة الإرشيف الكويتي والبحث عن المفقودين وتجاوز الصعوبات في تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء.
وما أن شعر الأمريكان أن مخططهم لغزو العراق تحت غطاء الأمم المتحدة أصبح مهددا، حتى أعلنوا أن عودة المفتشين يجب أن يسبقها قرار من مجلس الأمن يضع شروطا إضافية على العراق، وقدموا مشروع قرار الى مجلس الأمن تضمن صلاحيات تدخّلية هائلة للمفتشين ومطالب تعجيزية من العراق كما تضمن فقرة تقول إن عدم تعاون من العراق مع المفتشين أو إغفاله تقديم بيانات كاملة وشاملة ودقيقة ووافيه أو امتناعه عن الامتثال لمطالب المفتشين سوف يؤدي الى الإطلاق الآلي للتخويل الوارد في القرار 678 (1990) باستخدام القوة ضد العراق. وهنا بدأت معركة دبلوماسية كبرى قادها الوزير ناجي صبري باقتدار، فقد كثف اتصالاته بنظرائه الروسي والفرنسي والصيني وببقية أعضاء مجلس الأمن من خلال سفرائهم في بغداد لتنبيههم الى أن مشروع القرار هذا هدفه إعطاء أمريكا صكا دوليا على بياض لغزو العراق تحت أية ذريعة مهما كانت متهافتة، مثل إهمال تقديم معلومة أو ادعاء مفتش أن الجانب العراقي منعه من أداء مهماته. واستمرت هذه الاتصالات والمشاورات لأسابيع نجح العراق في نهايتها في أن يصدر القرار 1441 في 8/11/2002 بدون (الآلية التلقائية لاستخدام القوة) وبتخفيف بعض الإجراءات والشروط التعسفية المطلوبة من العراق رغم أن الكثير منها بقي في نص القرار مثل الادعاء بعدم تعاون العراق في السابق ومنح المفتشين صلاحيات تدخليه واسعة وإجراءات تعجيزية على العراق تنفيذها من بينها ما يسمى بإثبات النفي، اي إثبات عدم حيازته على أسلحة وبرامج محظورة. وبعد صدور القرار بدأت أمريكا تخطط لخلق مشاكل في التنفيذ تقود إلى إقرار مجلس الأمن بعدم تعاون العراق وبما يقود الى إصدار قرار جديد باستخدام القوة.
وهنا أيضا بدأت معركة جديدة، وعمل الوزير ناجي صبري بالتعاون مع الفريق عامر السعدي واللواء حسام محمد أمين على الاستجابة السريعة لمتطلبات القرار 1441 وفي مقدمتها تقديم التقرير الشامل والنهائي عن برامج العراق السابقة خلال أقل من شهر، واستقبل الوزير ناجي صبري رئيسا لجنة التفتيش (أنموفيك) والوكالة الدولية للطاقة الذرية (بليكس والبرادعي) في بغداد يوم 18/11/2002 وكان جوهر حديثه معهما أن يعملا بمهنية واستقلالية بعيدا عن الأجندة الأمريكية وأن لا يتعسفا في تفسير صلاحيتهما بموجب القرار 1441 ووعدهما بإن يقدم الجانب العراقي كل التعاون الممكن لإنجاز مهمتهما. وبدأ المفتشون أعمالهم في العراق يوم 27/11/2002، وفي يوم 7/12/2002 قدّم العراق التقرير الشامل والنهائي المتضمن جميع ما يتعلق ببرامجه السابقة وبأكثر من عشرين الف صفحة. وواصل الوزير ناجي صبري الإشراف اليومي على العلاقة مع الأنمونيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية واستقبل البرادعي وبليكس في زيارتين تاليتين في 19-20 كانون الثاني 2003 وفي 8 - 9 شباط 2003. وقد أثمرت هذه الجهود المترافقة مع جهود الفنيين العراقيين بإشراف الفريق عامر السعدي واللواء حسام محمد أمين عن تجاوز عقبات ومشاكل كثيرة.
ورغم خضوع بليكس والبرادعي لإملاءات أمريكا وسعيهما للتقليل من قيمة إعلانات العراق ومن تعاون الجانب العراقي معهما ورفضهما إقرار حقيقة خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل ومعداتها، إلاّ أنهما لم يستطيعا في النهاية إخفاء حقيقة أن مسحهم الميداني للعراق من شماله الى جنوبه وبأحدث أجهزة الكشف لم يستطع أن يقدم دليلا واحدا على وجود أسلحة أو برامج محظورة وأن الجانب العراقي لم يضع عراقيل أمام مفتشيهم. وقد تزامن التعاون الكامل مع فرق التفتيش مع تعاون كامل مع جميع أجهزة الأمم المتحدة الأخرى. ففي مجال حقوق الإنسان وجهت الخارجية العراقية الدعوة الى مقرر حقوق الإنسان الخاص بالعراق السيد "مافروماتيس" لزيارة بغداد وأجرت معه حوارا معمقا وأطلعته على وضع حقوق الإنسان في العراق وكيف أن الحصار هو الانتهاك الحقيقي لحقوق الإنسان في العراق، وقدم مافروماتيس تقريرا الى الأمم المتحدة طالب فيه أن تكون انتهاكات الحصار لحقوق الإنسان ضمن ولايته، وكان ذلك انتصارا كبيرا للعراق. كما جرى تنشيط التعاون مع رئيس لجنة المفقودين والممتلكات الكويتية السيد فورنتسوف وجرى الاتفاق معه على مجموعة إجراءات لإحراز التقدم في هذا الملف وانعكس هذا التعاون في تقاريره الى مجلس الأمن. وكثفت الخارجية من تعاونها مع الصليب الأحمر حول موضوع المفقودين العراقيين والكويتيين، كذلك جرى تعزيز التعاون مع فريق مراقبي الأمم المتحدة بين العراق والكويت (اليونيكوم) وأشاد الفريق بتعاون العراق وأكّد في تقاريره أن الخرق الوحيد للمنطقة منزوعة السلاح يأتي من جهة الكويت من خلال طائرات مجهولة الهوية تخرق أجواء العراق يوميا (المقصود طلعات الطائرات الأمريكية والبريطانية ضمن منطقة حظر الطيران غير الشرعية)، ونفس التعاون أبداه العراق مع ممثلي برنامج النفط والغذاء ومع لجنة التعويضات، وهذا جعل من الصعب على الولايات المتحدة ادعاء نقيض هذا التعاون الجلي. وترافق هذا التعاون مع الأمم المتحدة مع سياسة الانفتاح التي عمل عليها الوزير ناجي صبري مع الدول العربية ودول المنطقة وبقية دول العالم لوضع زمام المبادرة بيد الدبلوماسية العراقية.
وأعطى لتطوير العلاقة مع الدول العربية اهتماما كبيرا، وسعى للتواصل مع الأشقاء العرب وتقديم المعلومات والوقائع لهم لمواجهة الحملة السياسية والدبلوماسية الأمريكية الظالمة، وزار العديد من البلدان العربية واستطاع تحقيق خرق دبلوماسي تمثل بزيارة نائب رئيس الجمهورية السيد عزت الدوري لعدد من دول الخليج، وهي أول زيارة على هذا المستوى لدول الخليج منذ عام 1990، كما ساهم في تضمين البيانات الوزارية والرئاسية العربية مواقف تدعم العراق في معركته العادلة، ومن بين ذلك إعلان قمة بيروت (2002) الذي حسم موقف القمة العربية الى جانب العراق في مواجهة التهديدات الاميركية، وكانت آخر إنجازاته المشاركة في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الطارئ بعد أربعة ايام من الغزو الأمريكي للعراق ونجاحه في أن يصدر المؤتمر أقوى إدانة لهذا الغزو واعتبره عدوانا وانتهاكا لميثاق الأمم المتحدة ولمبادئ القانون الدولي وخروجا على الشرعية الدولية وتهديدا للسلم والأمن الدوليين وتحديا للمجتمع الدولي وللرأي العام العالمي. لقد حرم هذا التحرك الولايات المتحدة من التأييد العربي الرسمي الذي كانت تعول عليه، وفشلت امريكا في تحقيق ولو عشر معشار ما استطاعت تحقيقه عام 1990. أما على المستوى الإقليمي والدولي، فكانت الدبلوماسية العراقية في قمة نشاطها وتواصلت زيارات الوزير ناجي صبري الى عواصم عديدة : من طهران الى بكين الى مقر الإتحاد الأوربي في بروكسل، وأثمرت عن تحقيق انفراج في علاقات العراق الخارجية وكسر العزلة الدولية التي كانت الولايات المتحدة تسعى لتشديدها على العراق. وإزاء هذه الانتصارات التي حققتها الدبلوماسية العراقية اضطرت امريكا إلى التخلي عن البحث عن غطاء أممي لغزوها، وكشفت عن اهدافها العدوانية وطلبت من جميع موظفي الأمم المتحدة في العراق، بضمنهم فرق التفتيش وفريق مراقبة المنطقة منزوعة السلاح بين العراق والكويت، مغادرة العراق وغادروه يوم 18/3/2003 وبذات غزوها للعراق بعد ذلك بيومين في عدوان صريح وانتهاك فاضح للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
لقد نجحت الخارجية العراقية بقيادة الوزير ناجي صبري في منع الولايات المتحدة من استخدام مجلس الأمن غطاء يعطي الشرعية لغزوها واحتلالها للعراق، وكانت تلك الخطوة الأولى الأساسية والقاعدة التي استندت عليها المقاومة العراقية في جهادها لهزيمة المحتل الأمريكي في العراق وهزيمة مشروعه في المنطقة وهزيمة نظام القطب الواحد برمّته. لقد حلّ الوزير ناجي صبري عقدة مستعصية كانت تعاني منها الدبلوماسية العراقية. عقدة سببها مزيج من مبدأيه مثالية وإيمان بالحق المطلق وخشية من ثلم العزة والكرامة وشجاعة تقترب أحيانا من التهور ونزعة مفرطة في قبول التحديات ايا كان مصدرها ومكانها وشكلها وزمانها. لقد استخدم الأمريكان وغيرهم هذه العقدة أو الثغرة في عمل العراق السياسي والدبلوماسي سنين طويلة للإيقاع بالعراق، لذا لا نستغرب أن يبلغ حقد الأمريكان على الوزير ناجي صبري مداه لإنه تجاوز العقدة وفهم اللعبة وانتصر بدبلوماسيته المبنية على الحق والصراحة والاقتحام المدروس على الدبلوماسية الأمريكية العدوانية الغاشمة. للوزير ناجي صبري كل الحق أن يفخر بحصته الكبيرة في هزيمة أمريكا ونظامها الدولي وانهيار إمبراطوريتها وغروب قرنها الحادي العشرين قبل بزوغه، وعليه أن يتوقع من أمريكا وعملاء أمريكا المزيد من استهدافه والسعي لتشويه صورته.
والله المستعان
الخميس١٧ محرم ١٤٣٢ هـ ۞۞۞ الموافق ٢٣ / كانون الاول / ٢٠١٠م
إنّ الباطل كان زهوقا:
قراءة في كتاب "التصدي لصدام حسين “للمؤرخ الأمريكي ميلفين ليفلر
بقلم عبد الواحد الجصاني
5 أذار/مارس 2023
بمناسبة الذكرى العشرين للغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، صدر في الأول من شباط/فبراير 2023 كتاب (التصدي لصدام حسين: جورج بوش وغزو العراق) لواحد من اهم المؤرخين السياسيين الامريكان وهو الأستاذ الجامعي الأمريكي ميلفين ليفلر). Melvyn Leffler). الكتاب هو حصيلة عمل دؤوب قضاه الباحث منذ عام 2010 في دراسة الوثائق وإجراء المقابلات مع مسؤولي الادارتين الامريكية والبريطانية وقت الغزو، وعرض المؤلف هدف الكتاب بالقول "هذا الكتاب يسعى لتفسير أكثر قرارات السياسة الخارجية الأمريكية تأثيرا في القرن الحادي والعشرين وهو كيف صيغ ونُفّذ غزو العراق والحرب على الإرهاب" (ص 21)، ثم ذكر نتائج تلك الحرب بالقول " القوة الامريكية أهينت، وجرى تحديها، وانحسرت هيمنة امريكا الاقتصادية وأهتز تماسكها الداخلي وسببت حرب العراق الإحباط للشعب الأمريكي وعمقت انقسامه الحزبي ومزقت الثقة بحكومته (ص 25). وتميز الكتاب بأنه وضع الغزو وهزيمة أمريكا في العراق في اطارها الجيوستراتيجي الصحيح معتبرا قرار غزو العراق هو قرار للسياسة الخارجية الأهم في مجمل فترة ما بعد الحرب الباردة، وإن هزيمة أمريكا في العراق تقف في قمة قائمة حالات الفشل الاستراتيجي عبر تاريخ أمريكا الطويل في العلاقات الدولية، وإن هذه الهزيمة وضعت حداً لغرور القوة والغطرسة الامريكيتين. وأضاف في الصفحة (27) "لو كنا أكثر ذكاء ولو كان لدينا صناع سياسة أكثر صدقا لسارت جميع الامور سيرا حسنا، لكن المشكلة كانت في صعوبة الحصول على معلومات صحيحة وصعوبة تقيم المعلومات بصورة موضوعية ، لذلك كان من الصعب قياس المخاطر " ،
ويفسر في الصفحة (664) سبب هذا الفشل بالقول "المعلومات المقدمة لبوش كانت ناقصة بشكل معيب، وفرضياته كانت غير دقيقة، وأولوياته غير واضحة، ووسائله غير متكافئة مع أهدافه، وتخطيط ساذج، وإدارة متهرئة، وتقييم هزيل لما حصل بعد الأشهر الأولى من الاحتلال". ويقول "ولذا فإن قراءة هذا الكتاب مفيدة لأي رئيس أمريكي يريد تجنب الكوارث ومفيد لأي مواطن امريكي يريد ان ينتخب قادة أفضل".
ونستعرض في السطور التالية أهم خلاصات الكتاب وملاحظاتنا عنه، مستدركين بالقول إن هذا المقال لن يغني قطعا عن قراءة الكتاب، وهذه دعوة للسياسيين والثقفين العرب أن يقرأوا الكتاب بتمعن، ففيه أدلة إدانة دامغة على ان الولايات المتحدة ارتكبت عن قصد جريمة العدوان ضد العراق ومعها عدد لا يحصى من جرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وكلها جرائم ستحاسب عليها فهي لا تسقط بالتقادم.
أولا: أهم خلاصات الكتاب:
1 - ذكر في الصفحتين 93-94 إن نية اسقاط النظام العراقي كانت مبيته قبل احداث (11/9)، وأن من بين أسباب كره المحافظين الجدد لصدام ورغبتهم في التخلص أنه" يعادي الصهيونية ويريد حذف إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط ويسعى للوحدة العربية وقام بتأميم النفط واستخدم الموارد الهائلة الناتجة عن التأميم لتحديث العراق".
وأشار الكاتب الى انه قبل ثلاثة أسابيع من تنصيب بوش رئيسا للولايات المتحدة (جرى التنصيب يوم 20 كانون الثاني 2001) قدمت كوندوليزا رايس الى بوش مذكرة وضعت فيها الخطوط العامة وجدول الأعمال للأشهر الستة الأولى من حكمه بهدف "تأكيد قيادة أمريكا للعالم" وان يكون ذلك من خلال "الدفع قدما بالاستعداد العسكري والمعنوي" وذكرت انها تريد سياسة هجومية اكثر فعالية تجاه العراق، وإن عقوبات الأمم المتحدة ضد العراق وصلت الى طريق مسدود، وان القصف الدوري للعراق ضمن مناطق حظر الطيران يجعل الأمور أكثر سوءاً. وذكر الكاتب في الصفحة (98) "إن كراهية بوش لصدام كانت جليّة لأن صدام حسب قول بوش" لا يقبل قيمنا ولا يفهم الا لغة القوة". كما أشار في الصفحة (264) الى " إن مما جعل العلاقة بين بوش وبلير قوية هو كرههما المشترك لصدام حسين".
2 - استعرض الكاتب كيف وضع مساعدو بوش العراق كهدف رئيسي للانتقام الامريكي بعد ساعات من احداث 11/9 وذكر في الصفحتين 253-254 الآتي " في مساء يوم 11/9 والحرائق ماتزال مشتعلة في وزارة الدفاع ووسط صفارات سيارات الإسعاف عاد رامسفيلد من الباحة المليئة بدخان الحرائق الى مكتبه في البنتاغون واستذكر مساعده الأقرب ستيفن كامبون (Stephen Cambone) خلاصة ما قاله : "اضربوا صدام حسين وليس فقط بن لادن، الأهداف الآنية يجب ان تكون واسعة امسحوها كلها بالأرض، اضربوا كل شيء مفيد".
وفي اليوم التالي (12/9) وخلال اجتماع مجلس الأمن القومي (NSC) طالب رامسفيلد ونائبه وولفوفيتز باتخاذ اجراء ضد صدام حسين، بينما كان بوش يريد التركيز على تطمين الأمة وتخفيف المعاناة وبث الأمل، خاصة وان مدير وكالة المخابرات الامريكية جورج تينيت أبلغه بعد ساعات من الهجوم أن التحقيقيات أثبتت، لحد ذلك الوقت، أن ثلاثة من المهاجمين هم من القاعدة (ص 186). لكن رامسفيلد وولفوفيتز أصرا على استهداف العراق بحجة أنه "لا توجد أهداف جيدة في أفغانستان لضربها، ولا أماكن يراد اخراج طالبان منها، وإن العراق هو هدف أفضل لإظهار قوة أمريكا وقيادتها". (ص 253)
ولاحقا سأل بوش مساعد رامسفيلد السيد كلارك: هل أن صدام حسين مرتبط بأي شكل من الاشكال بأحداث 11/9 فأجاب كلارك أنه لا يرى علاقة لصدام بهذه المذبحة، والمسؤول عنها هي القاعدة. كما ان السيد موريل (Morell) أيضا أخبر بوش قائلا "ليس هناك تورط عراقي في احداث 11/9، صفر، لا شيء"، وأضاف موريل "لكن العراق دولة إرهابية..... وهم يقومون بتقديم الأموال والتدريب لمجاميع فلسطينية، ولكن ليس للقاعدة".
أما مستشار تشيني للأمن الوطني (Evic Edilman) فقد وضع الأمر بهذه الصورة " لدى صدام أسلحة التدمير الشامل، والقاعدة تريد أسلحة التدمير الشامل، وصدام احتفل بأحداث 11/9، لذلك من الطبيعي ان يتوجه الاهتمام للعراق".
وأشار في الصفحة (175) إلى أن وولفوفيتز كان لا يزال يسعى الى هدف تابعه خلال السنين الماضية وهو إمكانية اسقاط صدام حسين عن طريق دعم التمرد الشيعي وإنشاء منطقة محررة محميّة في الجنوب تشكل فيها حكومة مؤقتة تحرم صدام من موارد النفط. وكان وولفوفيتز يردد "لقد نجحنا في خلق مقاومة للاتحاد السوفيتي في أفغانستان، ونحن قادرون على خلق مقاومة في بلد عربي أيضا".
واستعرض الكاتب في الفصل الرابع كيف اقنع الصقور في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي الرئيس بوش بضرورة إعطاء الأولوية لإسقاط نظام صدام حسين، إذ لعبوا على وتر أن عليك يا بوش أن تحمي الشعب الأمريكي من هجوم ثانٍ على الأرض الامريكية تستخدم فيه أسلحة التدمير الشامل التي قد يقدمها صدام حسين للإرهابيين، وإن "النظام العراقي يبقى خطرا ما دام صدام في السلطة"، بينما كان رأي وزارة الخارجية عدم الدفع باتجاه غزو العراق كون "صدام أضعفته العقوبات والمفتشين". وانه "لا يمثل خطرا مميتا على السياسة الامريكية، وأن آذاه يتمثل في حملته الإعلامية التي تتهم أمريكا تقتل أطفال العراق".
وأشار الكاتب الى أن بوش كان يفضل "مواصلة دبلوماسية القسر وضمان نزع سلاح العراق ومغادرة صدام للسلطة بدون حرب" (ص 466).
ويشير الكاتب في هذا الفصل إلى أثر النجاح السريع للحملة الامريكية على أفغانستان على دفع بوش لاتخاذ قرار غزو العراق، وأشار الى تغنّي رئيس الأركان الجنرال مايرز (Myers) بانتصارات أمريكا على طالبان وقوله " لقد طورنا أسلوبا جديدا لخوض الحروب وكانت لدينا الجرأة لاستخدامه، وخلال ثلاثة أشهر اسقطنا طالبان وحررنا ملايين الأفغان".
ويذكر في نفس الصفحة أنه على خلفية انتشار الأنثراكس والاحتفالات بتحرير أفغانستان انفرد بوش برامسفيلد بعد اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 21 تشرين الثاني وسأله اين وصلت استعداداتكم في خطة العراق، وفرح الصقور بهذا السؤال واعتبروا أن بوش موافق الآن على تنفيذ خطة غزو العراق.
واستشهد الكاتب في الصفحة (288) بما كان يقوله الصقور مثل كوندوليزا رايس وولفوفيتز وهادلي لتخويف بوش من خطر صدام حسين " إذا استطاع 19 سعوديا باستخدام شفرة قطع الكارتون أن يفعلوا ما فعلوه في 11/9 فتصور ماذا يمكن أن يفعله صدام حسين الذي يطور أسلحة التدمير الشامل ويدعم الإرهاب".
3 - استعرض الكاتب في الصفحتين 711-712 نتائج الغزو الكارثية على أمريكا، وكيف انها تسببت في عبء انساني ومالي واقتصادي ونفسي على الولايات المتحدة لم يكن يتصوره أحد، فقد حجّمت القوة الامريكية وفرقت الشعب الأمريكي وزادت من شعور العداء لأمريكا في الخارج، كما انها زادت من قوة ايران في الخليج وحولت الاهتمام والموارد من الحرب الداخلية في أفغانستان، وزرعت الخلافات بين حلفاء أمريكا الاوربيين واعطت للصين فرصة إضافية للنهوض، وحفزت الانتقام الروسي.
وقال إن العواقب المأساوية للغزو شكلت حقبة جديدة في التاريخ الأمريكي وإن آثارها السياسية والاقتصادية والنفسية ستبقى قائمة. وحمّل الشعب الأمريكي مسؤولية الذهاب الى الحرب ضد العراق، وليس بوش ومستشاريه والكونغرس فقط. وذكر في الصفحة (471) الآتي: "ورغم ان إلقاء اللوم على بوش ومستشاريه على هذا المسار الأليم هو أمر صحيح، ولكن الفشل في التصرف بعد احداث الحادي عشر من أيلول يجب ان لا ينسب الى الرئيس وحده أو حصره بالرئيس وادارته، فالشعب الأمريكي بغالبيته ساهم في ذلك، إذ أن 72% من الشعب الأمريكي دعموا قرار الرئيس أخذ الأمة الى الحرب في أواسط آذار 2003". وعرض الكاتب تداعيات حرب العراق على جميع نواحي الحياة والاقتصاد والنسيج الاجتماعي والنظام السياسي في امريكا، وذكر في الصفحة (712) الآتي "عبء الحرب البشري والمالي والاقتصادي على الولايات المتحدة كان باهظا بما لم يكن أحد يتصوره، فقد أودت الحرب بحياة حوالي تسعة آلاف جندي ومتعاقد وجرح أكثر من (32) ألف امريكي خلال العلميات، وعدة مئات من الآلاف من الجنود الذين خدموا في العراق وتقاعدوا لا زالوا يعانون من إصابات في الدماغ أو من ضغوط ما بعد الصدمة، وان نسبة الانتحار بينهم عالية بنسبة خطيرة. وبالمجمل، فإن الحرب ستكلف دافعي الضرائب الامريكان أكثر من (2) تريليون دولار، كما أن الحرب شتتت الانتباه عن التلاعب المتزايد في سوق المال الامريكية (وول ستريت) والأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي عجلت بحصول أسوأ انكماش اقتصادي أمريكي منذ الانكماش العظيم (1929-1933). والمحزن أيضا أن الحرب فرّقت أمريكا بدلا من ان توحدها، وعمقت الخلافات الحزبية وقوّضت الثقة بالحكومة، لإن الشعب الأمريكي رأى أن بوش ومستشاريه كذبوا بشأن دوافعهم لشن الحرب وتصرفوا بطريقة غير كفوءة، ولذا أصيب الشعب الأمريكي بخيبة الامل من قادته ومؤسساته".
4 - في الفصل الثالث الخاص بعرض احداث (11/9) أشار قي الصفحة (225) الى انتشار رسائل الأنثراكس في أمريكا ودورها في دفع بوش لاتخاذ قرار غزو العراق، وذكر في الصفحة الآتي" في الثامن عشر من سبتمبر، وفي وسط الفوضى والقلق أخذت رسائل بريدية تحمل مسحوق الأنثراكس تنتشر في الولايات المتحدة، وبعضها مصحوب برسالة تقول " لن تستطيعوا ايقافنا، لدينا الأنثراكس، أنتم تموتون الآن ، انتم خائفون ، الموت لأمريكا ، الموت لإسرائيل ، الله أكبر".
وذكر في الصفحة (458) "بعد أسبوع من هجوم 11/9 بدأت رسائل الأنثراكس البريدية توزع في فلوريدا ثم في واشنطن وقتلت أناسا وعرقلت عمل دوائر البريد وأغلقت مؤسسات حكومية، بل ودقت جرس الإنذار في البيت الأبيض نفسه عندما سجلت مؤشرات على وجود رسائل فيها انثراكس".
ورأى الكاتب أن انتشار الأنثراكس بعد أسبوع فقط من 11/9 كان عاملا حاسما أنهى تردد بوش ودفعه لاستخدام القوة ضد أفغانستان ثم العراق. وقال في الصفحة (714) "تغلب لدى بوش ومستشاريه الخوف على الحذر، وتغلبت القوة الامريكية المرعبة على الحكمة.... ومنعتهم الغطرسة من فهم الشعب الذي يدّعون انهم ذاهبون لمساعدته".
وأضاف "إن مما عزز الخشية من استخدام الأنثراكس في هجمات قادمة ضد الأرض الامريكية مقالات صحيفة بابل العراقية، منها مقالها في 20/9 الذي قالت فيه " ان هناك احتمال ان تتحول الهجمات على أمريكا الى الأسلحة البيولوجية. وفي يوم 8/10 وبعد وفاة أول امريكي بالانثراكس قالت صحيفة بابل " ها هي أمريكا تتجرع السم من نفس الكأس الذي سقته للآخرين"
وجدير بالذكر أن الكتاب تجاهل الإشارة عمن كان وراء نشر رسائل الأنثراكس وفي هذا التوقيت بالذات، ولم يشر الى نتائج تحقيقات الحكومة الامريكية حول الموضوع، وسنشير الى ذلك في ملاحظاتنا على موضوع الأنثراكس.
كما أشار الكتاب الى أن من أرادوا حث بوش على استخدام القوة ضد العراق لم يكتفوا بموضوع الانثراكس، بل استمروا في التحريض لغاية يوم الغزو، وأضافوا الى الاتهامات موضوع أنابيب الألومنيوم (التي ادعوا ان العراق استوردها لصناعة الصواريخ وثبت بطلان الادعاء)، ووثائق استيراد الكعكة الصفراء من النيجر (التي زورتها المخابرات الامريكية) وإفادات اللاجئ العراقي المسمى (الكرة المستديرة) ومزاعم المختبرات البيولوجية المتنقلة ودعم العراق للإرهاب، ومحاولة اغتيال بوش الأب.
5 - لم يكن الكاتب متعاطفا مع العراق او مع الرئيس صدام حسين، بل على العكس كرر في الفصل الأول الذي عنوانه "صدام حسين" جلّ ما ورد بحملة شيطنة العراق وصدام حسين من أكاذيب واتهامات بالبطش بالمعارضين وعبادة الفرد وشن الحرب على ايران واستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد العراقيين، لكنه وقع بتناقض في نفس الفصل عندما ذكر في الصفحة (44) "عمل صدام على تحديث العراق وجعله أقوى ومكتفٍ ذاتيا، واهتم بإبراز تاريخ العراق الحضاري وبوحدة العالم العربي" وذكر في الصفحتين 57 - 58 "استخدم صدام الفائض المالي المتولد من تأميم النفط لتحديث وتنويع اقتصاد العراق واطلق حملة للإصلاح وكهربة الريف وانشاء شبكة للسكك الحديد ومصنع للفوسفات وطور صناعة الالبان وحقول الدواجن واستثمر في صناعة الحديد والأسمدة والبتروكيمياويات ودعا العلماء والتقنيين من جميع انحاء الوطن العربي وقدموا افواجا للمساهمة في تحديث البلد وتنميته وانفق الأموال لبناء المدارس والمستشفيات، وعمل على اجتثاث الأمية وتوفير عناية طبية ذات مستوى رفيع ودعم القطاع الخاص" . وأضاف في الصفحة (70) " كان صدام متيقنا من شيئين، الأول هو أن للعراق مكانة مميزة في التاريخ، والعراق لن يموت، والثانية هي ان عليه أن يعيد صنع ذلك التاريخ". قال في الصفحة (55) "هدف صدام هو تعزيز قوة العراق وتوحيد العالم العربي وإزالة إسرائيل من الشرق الأوسط والتصدي لشيعة ايران".
كما ذكر في الفصول اللاحقة شهادات مسؤولين امريكان بعد الغزو عن شخصية الرئيس صدام، واستشهد بتشارلز دولفير نائب رئيس لجنة التفتيش الذي اعد تقرير (مسح العراق) بعد الاحتلال، إذ ذكر دولفير في الصفحة (454) “صدام ليس شخصية كارتونية. كان لامعا بطريقة مذهلة وبالغ الذكاء بطريقة سوداوية مثل ستالين. كان صدام مهووسا بصنع إرثه، ويطمح أن يكون مثل نبو خذ نصّر وغيره من عظماء العراق. طموحه كان واضحا: التصدي لإسرائيل واسقاط إيران والسيطرة على المنطقة".
6 - في الفصل الثامن بعنوان (التصميم) يفضح الكاتب دور هانز بليكس رئيس لجنة التفتيش عن الأسلحة (الأنموفيك) في التحريض على غزو العراق، وقال في الصفحة (394): "كان بلير يريد اسقاط صدام حسين لكنه كان يخشى الرأي العام البريطاني المعارض للذهاب الى الحرب، ولذلك سعى لاستصدار قرار من مجلس الأمن يوجه انذاراً لصدام، فإذا خضع صدام أو هرب فيمكن تجنب الحرب، وايّد هانز بليكس هذه المقاربة، ورأى بليكس أن صدام لا يزال منخرطا في أنشطة محظورة وأن المزيد من الضغط العسكري لربما يدفعه لأن يتجاوب أكثر". كما أشار الى أن بليكس يرى ان صدام يماطل ويستفز ويمنع عمل المفتشين". وقال في الصفحة (394) " كان بليكس يؤمن بأن الضغط العسكري يبقى عنصرا أساسيا للضغط على صدام لتقديم تنازلات". وأشار في الصفحة (54) الى أن بليكس قال "إن الوثائق التي قدمها العراق لا تحتوي على بيانات يمكن أن تساعد في حل المسائل العالقة" واضاف في الصفحة (397) "قال بليكس انه يحتاج الى المزيد من الوقت لكن بوش وباول وكوندوليزا رايس قالوا له ان اللعبة انتهت- The Game is Over”.
7 - اقر الكاتب بفشل إدارة بوش في فهم الحقائق على الأرض وتفسير أسباب غضب المسلمين على سياسات امريكا، وقال في الصفحتين ( 472-473 ) "بوش ومستشاروه، مثلهم مثل اغلب الشعب الأمريكي لم يستوعبوا مطلقا حقيقة أن معاداة أمريكا التي اخذت تستفحل في العالم الإسلامي لم يكن سببها كره العرب للقيم الامريكية بل نتيجة غضبهم من الأفعال الامريكية ومن ذلك دعم واشنطن للأنظمة القمعية، وتبنيها لإسرائيل، وعقوباتها على العراق، ونشر قواتها في الأراضي المقدسة الإسلامية ، وسعيها للهيمنة على اقليمهم، كما لم يستطيعوا ان يفهموا كيف ان السجون والمعتقلات السرية لوكالة المخابرات الامريكية والتعذيب بطريقة الايهام بالإغراق واهانة السجناء من قبل مجندات امريكيات مسيحيات شقراوات كانت كفيلة بتقويض أي حديث عن الحرية وحقوق الانسان وكرامة البشر".
8 - في الفصل العاشر يلخص المؤلف نتائج العزو الأمريكي للعراق بالقول” عندما لا يُعثر على أسلحة الدمار الشامل ويواجه الاحتلال بتمرد، تكون النتيجة تآكل الدعم الشعبي للحرب في الداخل وارتفاع معاداة أمريكا في الخارج وهكذا شكلت العواقب المأساوية للغزو حقبة جديدة في التاريخ الأمريكي". وأورد الكاتب اعتراف رئيس فريق التفتيش عن أسلحة التدمير الشامل العراقية بعد الاحتلال "ديفيد كي" أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي بقوله " دعوني أقول لكم نحن جميعا كنا خاطئين بشأن أسلحة التدمير الشامل العراقية".
9 - في الخلاصة ذكر الكاتب في الصفحتين 456-457 الآتي" سياسة بوش إزاء العراق كانت سيئة، وهذا يحتاج الى مزيد من التحليل الصارم يفوق ما قدمه الباحثون والناقدون والصحفيون لحد الآن". وأضاف "كان لدى بوش الكثير من القدرات الإيجابية لكن مساعديه خذلوه، وكانت قدراتهم متواضعة وهو خولهم الكثير من السلطات وبأكثر مما يجب، ولم يراقب تنفيذ السياسات التي اختطها، ولم يأمر من حوله بعمل أمور أو ينتقدهم لفشلهم، ولم يصر على سياق عمل صارم، بل ترك الأمور سائبة في "أرض العجائب" البيروقراطية في واشنطن، وأدت الى تداعيات خطيرة". وأضاف "تجاهل بوش المشاحنات السلبية بين مساعديه والتي كانت حدتها تتجاوز المسائل الشخصية وأثرت بصورة سلبية على سياساته". ويرى الكاتب أن النقاش لا زال قائما عن سبب ترك بوش الأمور تسير بهذه الطريقة، فالبعض يعتقد أن بوش اتخذ القرار منذ البداية بغزو العراق لذلك لم يسأل مساعديه هل ان غزو العراق فكرة جيدة، بينما يرى مساعدوه القريبون أنه لم يقفز الى هدف غزو العراق، بل كان يفضل استمرار دبلوماسية القسر ضد العراق، ثم سارت الأمور بغير ما يشتهي.
وأشار الكاتب في الخلاصة الى غرور القوة والغطرسة التي سيطرت على العسكريين والسياسيين الامريكان بعد غزو افغانستان وقال "إن استخدام القوة الجوية والقوات الخاصة والتقنيات الحديثة لطرد طالبان من كابل عزز إحساس بوش بالقوة وبأن طموحات أمريكا لا حدود لها، فطالما استطاعت أمريكا أن تؤسس حكومة في كابل فلماذا لا تستطيع ذلك في بغداد وفي عواصم أخرى".
ويرى الكاتب في خلاصته إن "خصال صدام السيئة ومنها دعمه للانتفاضة الفلسطينية وللانتحاريين الفلسطينيين وتحديه الهيمنة الامريكية في الشرق الأوسط كانت من أسباب تدهور الموقف، وان صدام لم يفعل الكثير لتطمين بوش انه يريد بداية جديدة". ولكنه يتساءل بالمقابل "ولكن هل هذه الأسباب كانت كافية للذهاب الى الحرب".
ثانيا: الملاحظات على الكتاب:
1- المعلومات والوثائق والمقابلات الواردة في هذا الكتاب قدمت دليلا إضافيا على أن مقاومة شعب العراق الحقت أقسى هزيمة بأمريكا منذ تأسيسها عام 1776. وإن انتصار شعب العراق على أمريكا كان حدثا مفصليا في تاريخ العالم، فمثلما انهت حرب السويس عام 1956 عصر الامبريالية البريطانية، ومثلما أسقط المستنقع الافغاني الاتحاد السوفيتي، فإن حرب أمريكا على العراق وهزيمتها فيه أنهت، والى الأبد، نظام القطب الواحد، وفتحت الباب لعالم متعدد الأقطاب بعد أن قوضت اركان الغطرسة والهيمنة الامريكية على العالم. وجدير بحكومات وشعوب العالم ان تقدر للعراق هذا الفضل، وتدعم انتفاضة شعبه لإنهاء ما تبقى من مشروع الاحتلال المتمثل بميليشيات ولاية الفقيه وإعادة السلطة لشعب العراق.
2-لقد دفع العراق ثمنا باهظا في معركته لمعاقبة المعتدي المتجبر، لكن هذا هو قدر العراق. قدره أن يكون بانياً للحضارة وهازما لأعداء الحضارة. لم يخض العراق هذه الحرب إلاّ اضطرارا، وأمريكا بنت حساباتها على موازنة القوة المادية، ورأت أن تغيير النظام السياسي في العراق أمر سهل وسبق لها أن جربته في دول كثيرة أخرى، واكتشفت أن العراق عصي على الغزاة، حتى وإن كان الغازي أمريكا قائدة النظام الدولي ومعها ستين دولة، وليس قوى إقليمية كالمغول او الفرس. تغنى العراقيون بأهزوجة "صدام اسمك هزّ أمريكا" أيام الاستعداد لمواجهة أمريكا الغازية وسخر منا كثيرون، ويوما بعد يوم تتكشف المزيد من الحقائق كيف أن العراق وصدام هزّوا وهزموا أمريكا فعلا ولا زالت وستظل أمريكا تعاني من بأسنا، وسيبقى العراق واسم صدام يهز عروش البغاة،
3–أشار الكتاب الى أن بوش كان قلقا وخائفا من مساءلة شعبه لإن معلومات قدمت لإدارته حول احتمال حصول هجوم إرهابي كبير على الأرض الأمريكية ولم يتابعها كما يجب، فقد طلب تقديم تقارير له عن مخاطر القاعدة على أمريكا، وقدمت له تقارير لم يكن فيها جديد، ثم توقفت التقارير من أوسط تموز الى يوم 11/9 (الصفحتان 107-108من الكتاب). وهذا يؤكد أن أطرافا في الإدارة الامريكية وبالذات في وكالة المخابرات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي تعمدت عدم ابلاغ الرئيس عن مخاطر استهداف تنظيم القاعدة للمدنيين على الأرض الامريكية، وبالتأكيد فإن "غزوة مانهاتن" ما كانت تنفّذ لولا تواطؤ المؤسسة الأمنية الأمريكية التي كانت تعرف وجود النية لتنفيذ هذه العملية واطلعت على بعض تفاصيلها لكنها لم تجهضها ولم تلق القبض على المشتبه بتخطيطهم لها لأنها رأت فيها الفرصة الذهبية لتوريط متطرفين مسلمين في عمل إرهابي كبير يستثير الغرب بأجمعه ضد الإسلام والمسلمين. نتنياهو شرح هذا المخطط في كتابه (الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر) الصادر عام 1996 حيث قال (من أجل أن يربح الغرب المعركة ضد الإرهاب الإسلامي لا بد من كسب الولايات المتحدة، وإن الولايات المتحدة لن تقتنع بضرورة محاربة الارهاب الإسلامي إلاّ إذا تعرضت مصالحها لخطر هجمات مباشرة) وأضاف (لم يكن من السهل إحداث تغيير في تفكير صانعي القرار الأمريكيين حول هذا الموضوع، لإن وجهة النظر المهيمنة في الولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات كانت تقول إن الارهاب هو نتيجة اضطهاد سياسي واجتماعي ولا يمكن القضاء عليه من دون انهاء هذه الأوضاع).
وللمزيد حول هذا الموضوع يمكن الاطلاع على مقالة (الإسلام المتطرف والغرب العنصري: قراءة في ظاهرة القاعدة وبن لادن) لعبد الواحد الجصاني).
4- استعرض الكتاب كيف ان انتشار رسائل الأنثراكس في اربع ولايات أمريكية بعد أسبوع من احداث 11/9 عجّل بقرار بوش استخدام القوة ضد العراق ، وهنا يقدم الكتاب دليلا إضافيا على أن نشر رسائل الأنثراكس وتوقيت هذا النشر وسقوط ضحايا امريكان كان جزءا جزء من عملية هدفها تخويف الشعب الأمريكي والرئيس الأمريكي ودفعهم للحرب على أفغانستان والعراق والأمة الإسلامية حيث يعتبر المحافظون الجدد أن الاسلام هو أكبر تحد أيديولوجي لليبرالية الديمقراطية الغربية بعد سقوط الشيوعية. واختيار الأنثراكس دون سواه من أسلحة الدمار الشامل سببه ان الإدارة الأمريكية قررت أن يكون العراق هو الهدف التالي للغزو بعد أفغانستان. والتحقيق الذي أجرته السلطات الامريكية حول من نشر الأنثراكس أخذ وقتا طويلا وانتهى بإعلان وفاة العالم الأمريكي المتخصص في مجال الأسلحة البيولوجية بروس إيفنز في آب 2008، وأصدرت وزارة العدل الأمريكية بيانا قالت فيه إن العالم إيفنز كان المتهم الوحيد في سرقة الأنثراكس من مستودعات الجيش واستخدامه في هجمات رسائل الأنثراكس التي حصلت في ثلاث مدن أمريكية بعد ثلاثة اسابيع على هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 والتي قتلت خمسة مدنيين أمريكان واصابت العشرات، وأضافت وزارة العدل الأمريكية أنها ستغلق ملف هجمات الأنثراكس لوفاة المتهم الوحيد فيها.
للمزيد من التفاصيل حول رسائل الأنثراكس يمكن الاطلاع على المقال " لماذا استخدم بوش سلاح تدمير شامل ضد شعبه" لبعد الواحد الجصاني).
5-استعرض الكاتب تصريحات رئيس لجنة التفتيش (انموفيك) هانز بلكيس التي حرّض فيها على استخدام القوة ضد العراق وادعى إخفاء العراق لبرامج محظورة، وهذا تأكيد جديد على أن رؤساء لجان التفتيش والمفتشين الرئيسيين لم يكونوا موظفين دوليين، بل منفذين للسياسة الامريكية العدوانية ضد العراق، وإن الولايات المتحدة استخدمت الأمم المتحدة أداة لتنفيذ سياستها العدوانية ضد العراق، وانتهكت بذلك ميثاق الأمم المتحدة الذي يقول في المادة (100): (ليس للأمين العام ولا للموظفين أن يطلبوا أو يتلقوا في تأدية واجباتهم تعليمات من أية حكومة أو أية سلطة خارجة عن الهيئة، وعليهم أن يمتنعوا عن القيام بأي عمل قد يسيء الى مراكزهم بوصفهم موظفين دوليين مسؤولين أمام الهيئة وحدها).
وجدير بالذكر هنا أن رؤساء فرق التفتيش بليكس والبرادعي وإيكيوس ألّفوا كتبا بعد غزو العراق حاولوا فيها التبرؤ من تهمة التواطؤ مع الولايات المتحدة لغزو العراق من خلال تقاريرهم التي تشكك بتنفيذ العراق لالتزاماته في مجال أسلحة التدمير الشامل. وكتاب بليكس نشر عام (2004) وعنوانه (نزع سلاح العراق) وكتاب البرادعي (سنوات الخداع) نشر عام 2011، وكتاب ايكيوس نشر في كانون الأول 2022 وعنوانه (العراق منزوع السلاح). وحتى السفير الأسترالي العنصري الأحمق ريتشارد بتلر الذي تولى رئاسة اللجنة الخاصة بين عامي 1997-1998، والذي كان أكبر المحرضين على استهداف العراق، طالب بعد الغزو باستقالة رئيس وزراء استراليا ووزير خارجيتها لأنهم خدعوا الشعب الأسترالي بالمشاركة في الغزو بناء على مبررات كاذبة!!!
6–لقد جاء الغزو الروسي لأوكرانيا ليغيّر الخطاب السياسي للولايات المتحدة، ففيما عدا حالة "غزو الكويت" كانت الولايات المتحدة تتجاهل وتتجنب الإشارة الى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بمساواة الدول في السيادة والسلامة الإقليمية للدول وعدم جواز استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا أصبحت الولايات المتحدة، فجأة، من أشد المدافعين عن هذه المبادئ، وأضافت اليها ضرورة مساءلة مرتكبي العدوان عن جرائمهم على أراضي أوكرانيا وكفالة انصاف جميع الضحايا ومنع وقوع جرائم في المستقبل (أنظر قرار الدورة الاستثنائية الطارئة للجمعية العامة "A/ES11/L.7" بتاريخ 23 شباط 2023 الذي قدمته الولايات المتحدة والدول الغربية). كما تواترت تصريحات المسؤولين الامريكان عن ضرورة محاسبة مرتكبي جريمة العدوان، وآخرها تصريح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يوم 3 آذار 2023 في نيودلهي الذي قال فيه “إذا سمحنا لروسيا أن تفعل ما تفعله في أوكرانيا وتفلت من العقاب، فتلك ستكون تلك رسالة لكل مرتكبي العدوان المحتملين في كل مكان أنهم قادرون أيضا على الإفلات من العقاب".
إن إقرار المسؤولين الامريكان بالحاجة لمحاسبة مرتكبي جريمة العدوان وحق ضحايا العدوان بالتعويض يزيد من القبول الدولي لمطالبات العراق لأمريكا بالمساءلة والتعويض عن احتلالها للعراق، وهو جريمة عدوان مكتملة الأركان. إن حق العراق في محاكمة المجرمين المسؤولين عن غزو العراق، وطلب الحصول الى التعويضات هي حقوق أصيلة كفلها القانون الدولي ولا تسقط بالتقادم طبقا لاتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتبكة ضد الإنسانية لعام 1968، كما أنها تمثل حقوق شعب كامل وأجياله القادمة وهي غير قابلة للمساومة أو التفريط بها، وعندما تقام سلطة الشعب في العراق المحرر سيكون لممثلي الشعب تقرير آلية المطالبة بالتعويضات ومحاسبة مجرمي الحرب.
والله المستعان
بغداد في 5/3/2023
ملاحظة: أرقام الصفحات الواردة في المقال تستند الى النسخة الالكترونية من الكتاب، وهي تختلف عن ترقيم الصفحات في النسخة الورقية التي لم تصل بعد الى الأسواق العربية.
**************************
مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم هاتف الثلج قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل...