Wednesday, 19 August 2026

مفارقات ترمب في القرن الأمريكي / بقلم د.نزار السامرائي

 مفارقات ترمب في القرن الأمريكي

د.نزار السامرائي



مارس الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسلوبا غير مألوف في السياسة الأمريكية، ولا في عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية، يتميز بالتهريج الشعبوي أحيانا، والتناقض والغموض المتعمد في أحيان أخرى، حتى أن بعض المتابعين كانوا يطرحون أسئلة حائرة عما إذا كان القرار الأمريكي يصنع بهذه الطريقة الفجة؟ والبعض الأخر كانوا يتهمون كل من يفسر الأمور بهذا الاتجاه بأنه لا يعرف أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة، لا يمكن أن تسمح لأي رئيس أن يخرج على قواعد اللعبة المفروضة على مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسة الرئاسة، لكن الرئيس ترمب ربما شكل بداية التحول في تلك السياقات القديمة التي مضت عليها مئتان وخمسون عاما، جعلت من الرؤساء مجرد أدوات تلعب أدواراً صغيرة لا تكاد ترى في واجهة الأحداث.

دخل ترمب البيت الأبيض ليباشر رئاسته الأولى عام 2017، ليقلب كثيرا مما ساد مسرح الأحداث السياسية في البلاد، فسجل أعلى رقم للتغييرات في المواقع العليا البلاد، وكأنه يريد أن يقول للجميع بأن منصب الرئيس في الولايات المتحدة لا يختلف كثيرا عن إحدى شركاتي أستبدل موظفيها كيفما أشاء ومتى أرغب في ذلك، حتى أن وزير الخارجية السابق مايك بومبيو الذي خلف ريكس تيلرسون في منصبه، أجاب عن سؤال افتراضي، متى يعزلك الرئيس عن منصبك أجاب قائلا "في كل يوم عندما اتناول فطوري، افتح صفحة الرئيس على تويتر متوقعاً أن أقرأ قرار عزلي من منصبي"، نعم هكذا كانت الأمور السياسية تدار في الدورة الأولى لترمب في موقع الرئاسة.

وفي الدورة الثانية التي اكتسح فيها ترمب صناديق الاقتراع وحقق فوزا لامعا ًلنفسه وللحزب الجمهوري في غرفتي الكونغرس، توقع كثير من المراقبين، أنه سيُحدث تغييراً جوهريا على ما اعتمده من سياسات وبرامج وتصرفات علنية في رئاسته الأولى، بحكم التجربة المرة التي مر بها بعد خسارته لمنصبه، وربما أجرى حوارا داخليا مع نفسه أو مع أقرب مستشاريه، بحكم الدروس المستنبطة من خسارته السابقة في السباق الرئاسي ضد جوزيف بايدن، فلاحظ المراقبون أنه أصبح في رئاسته الثانية، أقل ميلاً لإحداث تغييرات في المواقع القيادية في البلاد وإن لم يتخلَ عنها نهائياً، ولكنه جاء في الدورة الثانية لرئاسته وهو أكثر عدوانية تجاه خصومه الداخليين، لا سيما أوباما وبايدن، وأكثر استعدادا للتصريح بما يفكر فيه بصوت عالٍ أمام الصحفيين والفضائيات، من مواقف ترتبط بالسياسية العليا للولايات المتحدة على أجهزة الإعلام، ولعل لقاءه مع نائبه فانس بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والذي خرجا فيه عن قواعد اللياقة وأبسط مقتضيات الضيافة، ما أعطى انطباعا أوليا عن منطق الوصاية الأبوية على أوربا بشكل خاص. لقد احتكر ترمب لنفسه كثيرا من مهمات وزرائه وكبار موظفي إدارته بمن فيهم الناطقون الرسميون باسم مختلف الوزارات حتى صارت وظيفة المتحدثين الرسميين باسم البيت الأبيض ووزارة الخارجية والحرب وكأنها قد خضعت لمبدأ الخصخصة من قبل ترمب، فلم يعد لأي منهم واجباً يؤديه أو موقفاً رسميا يعلن عنه، فالرئيس كان أسبق منهم في ذلك، وأنحصر واجبهم في تبرير المواقف المعلنة من قبل الرئيس أو إعطائها التفسيرات المخففة لا أكثر.

كان بعض الرؤساء الذين سبقوا ترمب على استعداد بقدر ما لتحمل جانب من المسؤولية الأخلاقية عن أي اخفاق في سياسة بلدهم، حتى لو كانت تلك الاعترافات لا تنفع شيئا في استرداد حقوق الدول المعتدى عليها كلاً أو جزءا، من دون أن يعني ذلك تحوله إلى قانون في تقاليد البلاد، لكن ترمب تميّز عمن سبقوه، بأنه على استعداد لإلقاء تبعات الفشل على كبار مسؤولي إدارته، وعلى شركاء مقربين من الولايات المتحدة، بل على صلة خاصة مع الرئيس نفسه، أما إذا صادفت خططه نجاحا، فإنه ليس على استعداد لمنح أقرب مستشاريه، أقلَ قدرٍ من وجاهة الدور في تحقيق جانب من الهدف، وينطبق هذا بدرجة أكبر على حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها.

كما أن ترمب ابتدع أسلوباً في تصريحاته قلما اعتمده أي من الرؤساء الأمريكيين السابقين، وقد لا يلجأ إليه أي منهم في المستقبلين القريب أو البعيد، وهو الإسراف في إطلاق أوصاف التبجيل والإطراء التي ينفقها ترمب على من يشاء من دون موازين، حتى صارت علامة فارقة ينفق الرئيس الأمريكي من خزائنها بسخاء كبير جدا، بلا مراعاة لاحتمالات التبدل في المصالح أو العلاقات السياسية بين الدول وقادتها، والتي تخضع لمقاييس مضطربة كثيرا.

وفي الحرب الأخيرة مع إيران، كلما وجد ترمب في نفسه رغبة في وقف إطلاق النار، بلا سبب أو لعدم وجود خارطة للأهداف العسكرية والسياسية والاقتصادية الأكثر تأثيرا في حسم الحرب، أو لغياب خارطة طريق لنهاية الحرب، لأسباب عسكرية أو سياسية أو اقتصادية داخلية أو خارجية، كان الرئيس يفاجئ الجميع بمن فيهم أقرب مساعديه ومستشاريه، بقرارات وقف العمليات أو استئنافها، وعندما لم يستطع تقديم حجة مقنعة أو منطقية لأية خطوة يخطوها يشطح به الخيال بعيدا، فيزعم أن هذه الخطوة أو تلك، إنما جاءت استجابة من ترمب لرغبة من باكستان في منح وساطتها فسحة أخرى من الوقت، وقد يكون ترمب محقاً في ما ذهب إليه عن الوساطة الباكستانية المتخمة بكل عوامل الخديعة والغش والتحايل.

ولكن العالم وبعد أن شنت الولايات المتحدة آخر هجماتها الجوية على عشرات المواقع والبنى العسكرية التحتية فجر الثلاثين من تموز الفائت، وعندما ردت إيران بقصف مضاد شمل مواقع في الكويت والبحرين وعددا من ناقلات النفط والسفن التجارية في مضيق هرمز، استشاط ترمب غضبا وعدّ ذلك تحدياً له، لا سيما وأنه أعطى إيران أكثر مما كانت تحلم به من تنازلات، وذلك عندما تراجع بصورة لافتة عن كل شروطه السابقة، مثل تخصيب صفر، وإزالة البرنامج النووي برمته، وإعلان الاستسلام الكامل، فأعاد إلى الذاكرة ما سبق له وأن هدد إيران بتدمير منشآتها الاقتصادية وطرق مواصلاتها الحيوية، ليلتها سهر العالم واقفاً على رجليه منتظرا الضربة الأخيرة التي سترغم إيران على الركوع، على وفق ما صوره هو للرأي العام العالمي، ولما كان ترمب رافع شعارات عالية وأكثر الرؤساء استعداداً للانقلاب على نفسه، كان لا بد أن يبحث عن شماعة يعلّق عليها خيبته، فلم يجد ترمب غير اسم الأمير محمد بن سلمان، لينسب إليه طَلبَ وقف الهجوم "الكاسح" الذي هدد به للمرة الألف، ربما كان محمد بن سلمان من بين زعماء دول الخليج العربي الذين يعرفون حقيقة نوايا الشر التي تحملها إيران تجاه بلدانهم، وفكان طبيعيا أن يبذل ما بوسعه لتجنب الشر القادم من إيران، التي ظلت تعاني من عقدة مستحكمة اسمها الخليج العربي، فكانت تنظر إليها بعين منكسرة نتيجة ما قطعته تلك الدول من أشواط على طريق بناء الدولة الحديثة، مقارنة مع نفسها، فإنها تتحين الفرص لإزالة مظاهر التطور الاقتصادي والعمراني، بحجة استهداف مواقع تابعة للولايات المتحدة، في حين أن حاملات الطائرات والبوارج الأمريكية أقرب إليها من دول الخليج العربي، ولكن إيران لا تمتلك الشجاعة لفتح جبهة مع من تسميهم بالأعداء، وتقصف من تسميهم الأصدقاء.

من المؤكد أن جميع الأطراف التي تشعر أن أمنها القومي يمكن أن يتعرض لتهديد جدي فمن واجبها أن تبحث عن أية فرصة للسلام والاستقرار في منطقتها الإقليمية، وعلى الرغم من أن دول الخليج العربي تعيش وضعا ملتبسا بين طرح نفسها كقوة مؤثرة في المجتمع الدولي، ليس بحكم وجود النفط والغاز فيها فقط، بل تذهب أحيانا إلى الحديث عن تأثيراتها كقوة سياسية وعسكرية أيضا، وهذا من حقها أيضا، ولكنها عندما تلوح في الأفق مؤشرات على عاصفة خارجية، فإنها تتعامل معها بطريقة لا تعكس ما تقوله عن نفسها لا سيما في تعاملها مع بعضها أو في بيئتها القومية أو في منطقتها الإقليمية وبخاصة مع إيران، حينذاك يبدأ صوتها بالانخفاض تدريجيا على نحو لا ينسجم مع ما سبق طرحه من أفكار وادعاءات عن قوتها، نعم ليس من الحكمة اللجوء إلى استعراض القوة بلا سبب، ولكن ليس من الحكمة أبدا إشعار العدو بالضعف لحد استجداء الود بأي ثمن، خاصة إذا كان يحمل موروثا من الحقد والشر القديمين مثل إيران، وعلى الدول التي لا تستطيع مواجهة إيران أن تتنظر حتى تأتي الفرصة التي تضعف فيها من تلقاء نفسها أو بتأثير خارجي، ولا يحق لها أن تلقي إليه بحبل النجاة عندما تتأكد أنها على وشك الغرق.

أعود إلى ترمب الذي أراد عَصبَ رغبته بالخروج من مأزق الحرب مع إيران، برأس الأمير محمد بن سلمان، فأقول إذا كان لولي العهد السعودي هذا التأثير على قرارات الرئيس ترمب وفي رسم السياسة الأمريكية، فلماذا لم يستجب ترمب للطلبات المتكررة التي قدمها محمد بن سلمان بشأن قيام الدولة الفلسطينية التي تضم قطاع غزة والضفة الغربية على أن تكون عاصمتها القدس، كشرط للتطبيع مع إسرائيل؟ ولماذا يستجيب لدعواته عندما يتعلق الأمر بإيران وإيران وحدها؟ ألا يدل ذلك على أن ترمب يريد أن يلقي بحمل طهران الذي اتعب ظهره، ويواصل سياسة الانكار لدوره في فتح هذا النفق وسط جبل أصم لا يمكن أن يركن إلى منطق العقل والحكمة، ثم إن توجهات الرأي العام الإقليمي بما في ذلك الإيرانيون أنفسهم قد يفقدون الثقة بكل من يحاول انقاذ نظام القمع والإرهاب في طهران من مأزقه.

ترمب ورط نفسه في حرب مع بلد لا يمكن أن يفهم غير منطق القوة طريقا للنصر أو للهزيمة في معظم الأحيان، من دون أن يتعرف على الشخصية الإيرانية عن قرب، لأنه في البداية والنهاية تاجر يستعجل عقد الصفقات فرمته المقادير مع نساج لا يكترث للزمن بقدر ما يريد التباهي بحبكة ما صنعه، ولما كان ترمب خريج مدرسة غوغائية في تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية التي تحيط به، ويحاول التملص من أية خسارة شخصية، لذا فهو يبحث عمن يحمل وزر هذه الخسارة، ومثل هذه الصفات تضعف من المركز القيادي لكل من يمارسها، فالأصل بالقائد الجامع لشروط القيادة أن يتحمل تبعات ما يتخذه من قرارات في حالتي النجاح والفشل.

ومع تمادي ترمب في تلك الرياضة اللفظية، التي تتخطى حدود الغزل السياسي، إلى تأدية أدوار هزلية في أفلام هابطة، فقد أوقعه هذا النمط من الغزل السياسي خارج السن المعهود، ولم ينجح في تغيير قناعات واحد من زعماء العالم، بل أن ترمب جلب على نفسه ردودا عكسية من قبل بعض زعماء العالم، نتيجة انصراف تلك العبارات إلى معاني معاكسة لما هو سائد في المجتمع الأمريكي من مغازي، بل ينصرف إلى تفسيرات غاضبة أو على الأقل تؤدي إلى سوء فهم للمقاصد السياسية أو الاجتماعية من وراء إطلاقها.

عندما يريد ترمب اتخاذ بعض القرارات المتعجلة والتي لم تستوف شروط البحث والدراسة اللازمة، ويُقدم عليها عن قناعة شخصية بها، أو نتيجة ضغوط الظرف السياسي أو الاقتصادي المحيط به أو الضاغط عليه، فإنه يختلق قصصا من خياله الجامح فيذهب في سياحات مع أفلام الخيال العلمي، فتارة يقول إن الإيرانيين بعثوا إليه برسائل يلحون على العودة إلى الحوار وأنهم وافقوا على شروطه التعجيزية التي تجعل أي بلد يوافق عليها كلاً أو جزءا، بلداً فاقداً لسيادته، وتارة أخرى ينسب أية خطوة يريد الإقدام عليها، وكأنها استجابة إلى نداءات عاجلة وردته من زعماء العالم، وكأنها استغاثات اللحظة الأخيرة قبل الانفجار الكبير، فكم هو عدد المرات التي تم فيه فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية الحرة، وكم من مرة دمر فيها الأسطول البحري الحربي الإيراني، وكم مرة دمر فيها الدفاعات الجوية ومصانع الطائرات المسيرة ومخازنها؟.

يصل فيها وصفه إلى حد أنه يجعل الاعتقاد ينصرف إلى أنهم من توسلوا إليه لتغيير قرار الحرب الذي اتخذه قبل ساعات، وأنه هو الرئيس الذي لا يتراجع عن موقف اتخذه لولا الضغوط التي تُمارس عليه من زعماء مقربين إليه شخصيا وإلى بلاده، باختصار شديد ترمب هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي لا يعرف ماذا يريد، ولأنه كائن عبثي فقد وجد من يحركه بآلية عمياء، مستغلا الصلاحيات الأسطورية التي يتمتع بها أي رئيس أمريكي، فصار ترمب مثل طفل أهديت له لعبة لا يعرف قيمتها فاراد أن يختبر قابليتها على عدم الانكسار فألقى بها من النافذة ليتأكد من جلية الأمر فسقطت على رأس طفل آخر فصرعته وتحولت إلى شظايا صغيرة. 

عندما كانت القضية الفلسطينية لا تنافس مكانتها في الوجدان السياسي العربي قضية أخرى، حتى أن احتلال إقليم الأحواز العربي البالغة مساحته 375 ألف كم مربع، لم يحض بأي رد فعل عربي متعاطف، على الرغم من أن الشاه رضا خان وهو أبو محمد رضا بهلوي اقتطع جزءا عزيزا من الأرض العربية، وعلى الرغم من أن الأحواز تعرضت للسحق القومي وللزحف الفارسي على أرضها، اقتبس النظام الإيراني الشاهنشاهي، من الحكم الصفوي سياسة الاضطهاد الديني والمذهبي، من احتمال هزيمة إيران وذلك خشية من توسع النفوذ التركي في المنطقة على حساب مصالح تريد التقاط خيوطها كلها وجمعها في السلة الباكستانية.

بكل تأكيد دول الخليج العربي لا تريد خروج إيران منتصرة من الحرب، لما يمثله ذلك من أخطار تهدد أمنها القومي واستقلالها وسيادتها، واستقرارها الداخلي وتعرضها إلى أفدح المخاطر 

مع التطور الساحق للولايات المتحدة في الحرب وعلى الجبهات، تواصل إيران حماقتها المعهودة بما تسميه "بالصبر الاستراتيجي"، فأين يكمن الخلل؟ هل في الإدارة العسكرية للحرب أي دور القيادات العسكرية من مستوياتها العليا إلى القيادات الميدانية؟ أم يرتبط الأمر بالإدارة السياسية للمعركة، وانعدام الفهم الحقيقي لطبيعة تفكير الفرد الإيراني المجبول على العناد لمجرد العناد ويمارسه بلذة عالية، ويعتبر ذلك جزء من البناء السيكولوجي للشخصية الإيرانية.

مجلة صوت الطلبة عدد ٦٦ للسنة ٧ ١٩ آب ٢٠٢٦

 مجلة صوت الطلبة 

عدد ٦٦ للسنة ٧ 

١٩ آب ٢٠٢٦
















مجلة صوت الطلبة 
عدد ٦٦ السنة ٧
١٩ آب ٢٠٢٦
اضغط على رابط التصفح الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/ulpp/mobile/index.html


Friday, 7 August 2026

مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

 مكاشفة

ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم

هاتف الثلج

قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل أن تُرسم الخرائط بالنار، كان هناك رجال يرسمونها بالحجة، ويؤجلون سقوط الأوطان بما يملكون من عقل ومعرفة وبلاغة. في تاريخ الدول شخصيات تعبر المناصب كما يعبر المسافر الجسور، فلا تترك أثراً في الذاكرة، وشخصيات أخرى تتحول إلى جزء من الذاكرة نفسها، لأنها لم تكن مجرد موظفين في جهاز الدولة، بل كانت تعبيراً عن مرحلة كاملة بكل ما فيها من صعود واختبارات ومواجهات.ومن هذا الطراز يبرز اسم الدكتور ناجي صبري الحديثي، بوصفه واحداً من أكثر الوجوه العراقية حضوراً في ميدان الثقافة والإعلام والدبلوماسية، ورجلاً تشكلت خبرته عبر عقود متصلة من العمل الفكري والإداري والسياسي، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.السير المهنية لا تُقرأ باعتبارها قوائم من الوظائف، وإنما باعتبارها خارطة للعقل الذي انتقل من محطة إلى أخرى وهو يضيف لبنة جديدة إلى مشروعه الشخصي وخدمة دولته. وهكذا كانت رحلة ناجي صبري؛ بدأت من الجامعة محاضراً في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في جامعة بغداد، مؤمناً بأن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل جسر تعبر عليه الحضارات، وأن من يمتلك لغة الآخر يستطيع أن يخاطبه من موقع الند لا من موقع التابع.

وحين انتقل إلى لندن مستشاراً في السفارة العراقية خلال المدة الممتدة من عام 1975 إلى عام 1980، لم يكتفِ بأداء الواجب الدبلوماسي التقليدي، بل أسس الدائرة الصحفية في السفارة، ثم أسس المركز الثقافي العراقي عام 1977، ليؤكد أن صورة الدول لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها، بل تصنعها الثقافة، والفكر، والكتاب، والفن، والحوار مع المجتمعات الأخرى. كما أسس ورأس تحرير مجلة أور الناطقة بالإنجليزية، التي قدمت الثقافة العراقية والعربية الحديثة إلى القارئ الغربي بلغة يفهمها ومنهج يحترمه.وعند عودته إلى بغداد، بدأ فصل جديد من العمل الثقافي. أسس دار المأمون للترجمة والنشر مطلع عام 1980، لتصبح واحدة من أهم المؤسسات العراقية التي نقلت المعرفة العالمية إلى اللغة العربية، ورسخت مفهوم الترجمة بوصفها صناعة حضارية لا عملاً هامشياً. وفي الوقت نفسه تولى رئاسة تحرير صحيفة بغداد أوبزرفر الناطقة بالإنجليزية، فكان يدير نافذة إعلامية تخاطب العالم، وتقدم الرواية العراقية بلغته، في زمن كانت فيه معركة الصورة لا تقل أهمية عن معركة السياسة.

ولم تتوقف مساهماته عند الإدارة الإعلامية، بل امتدت إلى تأسيس مجلة كلكامش باللغة الإنجليزية، المتخصصة بالثقافة العراقية الحديثة، وإلى منصب نائب رئيس اللجنة الوطنية العراقية للتربية والثقافة والعلوم، حيث جمع بين العمل الثقافي والإداري، مؤمناً بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن الأمم التي تهمل ثقافتها تضعف قدرتها على حماية سيادتها.وفي مطلع التسعينيات دخل مرحلة أكثر حساسية، فتولى إدارة الإعلام الخارجي، ثم أصبح وكيلاً لوزارة الثقافة والإعلام، قبل أن يعمل مستشاراً في ديوان رئاسة الجمهورية، وهي مسؤوليات فرضت عليه التعامل مع عراق يواجه عزلة دولية وضغوطاً غير مسبوقة، فكان عليه أن يوظف خبرته الإعلامية والثقافية في الدفاع عن صورة الدولة في الخارج، وفي إدارة خطابها أمام عالم تتغير موازين القوى فيه بسرعة كبيرة.ثم جاءت المحطة الدبلوماسية الكبرى عندما عُيّن سفيراً للعراق لدى النمسا، وممثله الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ومكتب الأمم المتحدة في فيينا. هناك برزت قدرته التفاوضية في واحدة من أكثر الساحات الدولية تعقيداً، حيث لم تعد اللغة مجرد وسيلة تعبير، بل أصبحت أداة لحماية المصالح الوطنية، وإدارة الملفات الحساسة، ومواجهة الضغوط السياسية والقانونية.وعندما تولى وزارة الدولة للشؤون الخارجية، ثم أصبح وزيراً للخارجية عام 2001، دخل العراق أخطر منعطف في تاريخه الحديث. كانت العواصف الدولية تتجمع، وكانت قرارات الحرب تُصاغ في العواصم الكبرى، غير أن ناجي صبري كان من أبرز الوجوه العراقية التي خاضت معركة الدبلوماسية حتى اللحظات الأخيرة، وساهم في الجهد السياسي الذي حال دون حصول الولايات المتحدة وبريطانيا على غطاء دولي صريح يضفي الشرعية على مشروع غزو العراق واحتلاله، وهو دور بقي موضع اهتمام لدى كثير من الباحثين في تاريخ تلك المرحلة، بوصفه مثالاً على استخدام أدوات القانون الدولي والخطاب الدبلوماسي في مواجهة قرارات القوة.ولم يكن رجل سياسة فقط، بل ظل المثقف ملازماً له في كل المناصب. فقد ترجم إلى العربية أعمالاً فكرية وأدبية مهمة، منها كتاب «عبقرية شو» لمايكل هولرويد، وكتاب «أوجه السيرة» لأندريه مالرو، كما نقل عدداً من المؤلفات العربية إلى اللغة الإنجليزية، مؤمناً بأن الترجمة ليست نقل كلمات، وإنما نقل رؤى وتجارب إنسانية، وأن الحضارات لا تتعارف بالسلاح، بل بالمعرفة.إن قراءة سيرة ناجي صبري بعيداً عن الاستقطابات السياسية تقود إلى حقيقة أعمق؛ وهي أن الدولة تحتاج دائماً إلى رجال يجمعون الثقافة والدبلوماسية والإدارة في شخصية واحدة. فالمفاوض الذي لا يقرأ يصبح أسيراً للنصوص، والمثقف الذي لا يعرف الدولة يبقى حبيس التنظير، أما الذي يجمع الاثنين فإنه يتحول إلى عقل مؤسساتي قادر على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد.

لقد مرت الدولة العراقية بمحطات شديدة التعقيد، وتعاقبت عليها أجيال من المسؤولين، لكن القليل منهم استطاع أن يترك بصمة تمتد من قاعات الجامعة إلى المنابر الدولية، ومن مراكز الترجمة إلى أروقة الأمم المتحدة، ومن الصحافة إلى وزارة الخارجية. وهذا التنوع في المسؤوليات لم يكن انتقالاً وظيفياً بقدر ما كان دليلاً على شخصية امتلكت أدواتها في أكثر من ميدان، واستثمرت المعرفة لخدمة موقعها، وخدمة الدولة التي مثلتها.تبقى الشخصيات الكبيرة مادة للتأمل أكثر من كونها مادة للجدل، لأن الزمن يعيد ترتيب التفاصيل، ويجعل الإنجاز المهني هو المعيار الأصدق في تقييم الرجال. وناجي صبري واحد من تلك الأسماء التي لا تُختزل في منصب، ولا في ظرف سياسي، بل تُقرأ بوصفها تجربة عراقية جمعت بين الفكر والثقافة والدبلوماسية، وقدمت نموذجاً للمسؤول الذي أدرك أن قوة الدولة تبدأ من قوة الكلمة، وأن هيبة الوطن تُبنى أيضاً في قاعات الحوار، وعلى طاولات التفاوض، كما تُبنى في ميادين أخرى. ولهذا يبقى حضوره في الذاكرة المهنية العراقية شاهداً على مرحلة كاملة، ورمزاً لمدرسة آمنت بأن الكفاءة والمعرفة والقدرة على تمثيل الوطن بأرفع صورة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة تسعى إلى أن يبقى صوتها مسموعاً في العالم.

Sunday, 2 August 2026

استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي/ د. نزار السامرائي/ جزء ٢

 استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي

د.نزار السامرائي

جزء ٢

بداية يمكن أن نأخذ تركيا كمؤشر على مواقف الدول التي حاولت التوسط لوقف الحرب، وكل منها له دوافعه الخاصة التي قد تلتقي مع أهداف الآخرين وقد لا تلتقي، كما سأتناول بالعرض مواقف باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي، بشأن الحرب العبثية الخطط، المجهولة الأهداف، الغامضة النتائج، ولكل طرف من تلك الأطراف مبرراته، بصرف النظر عن وجاهتها أو عدمها، ولكل منها أهدافه الحقيقية أو المعلنة.

 شهدت تركيا منذ وصول حزب التنمية والعدالة إلى دفة الحكم، تحولات مهمة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أنها لم تفقد حلمها القديم بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي، كهدف اقتصادي يعزز حضورها السياسي في القارة الأوربية، وما كان يحول دون ذلك هو هويتها الإسلامية، وحرصها على الإمساك بالعصا من الوسط بشأن صراع الهويات، وهو ما يجعل من تحديد هويتها السياسية الجغرافية، مثار جدل بصوت عال داخل أوربا التي عبّرت أكثر من مرة عن هويتها المسيحية، وداخل تركيا نفسها كحلم لا يغادر مخيلة العلمانيين للحد من المضي أبعد مما حصل حتى الآن في التوجه الإسلامي، كما أن وجود تركيا كأكبر قوة برية في الجناح الجنوبي لحلف شمالي الأطلسي، يطرح تساؤلات جادة عن أيٍ من الهويات التي تفضل تركيا الانتماء إليه أو التعامل معه؟

ربما جاء نشوب الحرب الأخيرة، بتوقيت محرج لتركيا التي حاولت المحافظة على خط انتشار إقليمي سريع في الوطن العربي، وذلك بإزالة كثير من جدران التحفظ التي كانت سائدة مع المملكة العربية السعودية ومصر والامارات العربية بسبب ما يُنسب للإخوان المسلمين في تعكير الأمن الداخلي فيها، صحيح أن دور تركيا في دعم الثورة السورية التي أسقطت نظام بشار الدموي، وهو ما ساعد في إزاحة الوجود الإيراني في سوريا واهتزاز وجودها في لبنان وطرح تساؤلات عن مدى متانة وجودها في العراق، أزاح من طريقها الكثير من المصدات الأيديولوجية التي بقيت حاجزا بينها وبين بعض النظم العربية، إلا أن الصحيح هو أن الدور السابق لتركيا في تقديم العون المباشر لطهران للتحايل على العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي اتهم بجانب منها نجل الرئيس التركي أردوغان، قد جعل منها شريكا مطلوبا من قبل إيران في بعض الظروف الحالكة.

تعمدت تركيا الغموض في التعاطي مع الحرب التي يخوضها حليفها الاستراتيجي الأول في العالم أي الولايات المتحدة، بمشاركة طرف حافظ على مكانته كصديق إقليمي تقليدي أي إسرائيل، وعلى الرغم من كثرة الانقلابات العسكرية التي عصفت بتركيا الحديثة، وعلى الرغم من أن إسرائيل شنت منذ قيامها عام 1948 أكثر من خمس حروب على الأخ في الدين، إلا أن إسرائيل حافظت على مكانة مرموقة لدى العقل السياسي في أنقرة، وهذا ما حصر تركيا في زاوية ضيقة بين حليف استراتيجي "أمريكا" وصديق تقليدي "إسرائيل" من جهة، يخوضان حربا ضد شقيق جديد في الدين "إيران" من جهة أخرى، وهما يرفعان شعارا إسلاميا بطريقة إدارة الدولة، مع أن العلاقات بينهما تميزت بالعداء التاريخي الذي طبع مرحلة طويلة من علاقتهما، ونشبت بينهما حروب كثيرة وقع بعضها في الأرض العراقية ولم يتمكن أي منهما من حسمها، على الرغم من أن عمرها يزيد على خمسة قرون.

ومع عدم وجود موقف تركي صريح مما يجري على مقربة من حدودها، أو على تماس مباشر مع مجالها الحيوي، مع أن عالم السياسة إذا دخلت عليه الصراحة أفسدته كما يُقال، بل على الرغم من أن أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، تعرضت لقصف صاروخي بالستي إيراني، ربما تسبب بجرح كبرياء البلد المضيف، كان يحرص على التباهي به في علاقاته في محيطه الإقليمي ومع العرب خاصة.

لقد مارست تركيا ضبط نفس لم نعهده يوما في سياستها الخارجية سابقا كما كان يحصل في علاقاتها مع اليونان وهي شريكتها في حلف شمالي الأطلسي، وهو ما أثار تساؤلات جدية عن حقيقة ما يجري وراء الغرف المغلقة من صفقات ومن هي أطرافها؟ وعلى حساب مَن مِن دول الشرق الأوسط المبتلاة بثلاثة مشاريع عقائدية بعضها يرتبط بأساطير دينية تلمودية، وبعضها يستند على تفسيرات تاريخية فقط، والثالث يستل واحدة من أسوأ الصفحات في التاريخ الإسلامي، ولكنها تتطابق في أنها تحمل نزعة توسعية، تتنافس فيما بينها على توسيع نطاق حدودها الجغرافية والحصول على أكبر قدر من المنفعة من ثروات المنطقة.

 تركيا لا تخشى كثيرا من انتصار إيران في الحرب كما يحصل لدى البعض، لأنها عَبَرت منطقة الخطر التي كانت تعيشها منذ قيام الدولة التركية الحديثة، لكن العودة إلى دروس الماضي البعيد، لا يترك لنا هامشا من الشك في أن استذكار تاريخ العلاقات العثمانية مع الدولة الصفوية التي قامت عام 1501، والتي كانت قد خاضت معها حروبا طويلة، وكأن العالم لا يوجد فيه عدو لفارس إلا الدولة العثمانية، بل فتحت لها جبهات أثناء حروبها في الجبهة الأوربية، مما أدى إلى خلخلة في أوضاع القوات العثمانية في أوربا وأضطرها إلى سحب قواتها وتوجيهها إلى جبهة بلاد فارس.

ومع كل ذلك تبقى مخاوف تركيا الحديثة تفوق كثيرا مخاوف دول عدة في المنطقة من انتصار إيران، لأن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية ستتعرض لأخطار بسبب النزاع التاريخي بين المشروعين التركي والفارسي، غير أن تركيا لا تريد رؤية هزيمة كبيرة لإيران سواء أمام الولايات المتحدة أو أمام إسرائيل، صحيح أن العلاقات الإسرائيلية التركية تميزت بالتطور اللافت منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، بسبب النزعة الأتاتوركية، إلا أن التحولات الكبيرة بالنموذج التركي منذ صعود حزب التنمية والعدالة التركي إلى الحكم، لاسيما بعد أن تعزز الدور التركي في سوريا، وما تركه من مخاوف إسرائيلية من النموذج الإسلامي التركي السني على الأمن القومي الصهيوني، لأن أنقرة لا تريد رؤية إسرائيل دولة قوية ترى في وجود تركيا على حدودها عامل قلق قد يستدرجهما إلى نزاعات في وقت يرى كل منهما أن الوقت لم يعد وقت نزاعات مسلحة جديدة بينهما قد تزعزع استقرار المنطقة.

هناك دافع آخر يدفع تركيا للتوسط لوقف الحرب، فهي لا تريد رؤية إيران مهزومة في الحرب مما قد يعرض وحدتها الترابية إلى خطر التشرذم، وهو ما قد يغري المكونات القومية في المنطقة إلى المطالبة بحق تقرير المصير، لأن هذا الاحتمال قد ينتقل إلى دول أخرى، وتركيا من بينها، ويُطلق يد إسرائيل كقوة مهيمنة في منطقة صراع المشاريع المتنافسة.

وعند الحديث عن الدور الباكستاني في الوساطة المُستَجداة من قبل إسلام آباد، ستبرز أمامنا حقائق كثيرة، والتي يمكن إجمالها بثلاث نقاط، الأولى هي أن باكستان بحاجة إلى القيام بهذا الدور مهما كانت نتائجه نجاحا أو فشلا، أكثر مما تحتاجه الولايات المتحدة وإيران معا، ويبدو أن إسلام آباد تتطلع إلى فتح كوة صغيرة من الأمل لعلاقات كاملة مع إسرائيل بعد قطيعة استعراضية طويلة مارست طقوسها لإرضاء العرب، لا سيما وأن حساسية الوضع في شبه القارة الهندية، شهد تقلبات في التحالفات الدولية، فعلى الرغم من أن باكستان كانت محسوبة على التحالف الغربي وما تزال، وهنا لا بد من التذكير بدورها في تأسيس حلف بغداد عام 1955، إلا أن علاقات إسلام آباد مع الصين تَحَولَ إلى كابوس يزعج الولايات المتحدة وأخذ طابعا أكثر الحاحا في المدة الأخيرة، لا سيما عندما بدأت الصين تمثل التهديد الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة، وهي الحليف الدولي لباكستان، مما قد يثير الريبة لدى الجانب الأمريكي، في الجانب الآخر من المشهد نرى أن الهند تحولت تدريجيا من حليف للمعسكر الشرقي ممثلا بالاتحاد السوفيتي السابق تحت لافتة مجموعة عدم الانحياز، وكذلك تبدي تعاطفا مدروسا مع قضايا العرب، كل هذا خلط الأوراق على أكثر اللاعبين فطنة وترك المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات.

لكن سوء العلاقات بين الجيران الثلاثة "الصين والهند وباكستان" لم تستقر على حال ودي فيما مضى، فالدول الثلاث المتجاورة وهي دول نووية، مما يضع أي توتر في علاقاتها في ميزان مختلف عن موازين القدرة العسكرية التقليدية، ولهذا فإن كثيرا من رسائل صداقتها مع الدول الأخرى، لا يتم النظر إليها بكثير من الجدية، لأنها غير قابلة للانتقال من مكاتب وزارات الخارجية إلى أرض الواقع، مما يجعل التعامل فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين دول العالم وخاصة الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا، محفوفة بصعوبات جمة، وعلى ما يبدو فإن دخول باكستان كوسيط غير مرغوب فيه، كان يحمل في جيبه مشروعا وطنيا يهدف أولا إلى دخول باكستان على قائمة الدول المطلوبة الدور إقليميا ودوليا، مع ما يوفره من وجاهة لقيادتها أو لكل طامح بكسب نقاط أكثر على حساب الفريق الحاكم، وهذا إن تحقق لها فإنها سترشح نفسها لمهمات أخرى حتى لو فشلت في وساطتها الحالية.

والثانية أنها  تسعى لتكريس مصالح سياسية واقتصادية في أغنى بقعة في العالم في الوقت الحاضر، مما يعني استعارتها لدور الدول الاستعمارية في بداية عصر النهضة الأوربية، عندما تنافست الدول فيما بينها على البحث عن أسواق لتصريف منتجاتها المصنعة، بعد أن أشغلت نفسها في البحث عن المصادر الطبيعية لجلبها لإدامة حركة الصناعة عدة قرون، ربما تستعيد ذلك الدور بأقصى ما تمتلك من قوة، لتطوير الاقتصاد المحلي على حساب اقتصادات الدول النائمة، باكستان لا تختلف كثيرا عن معظم الدول الصاعدة في مجال الصناعات المختلفة، ولكنها تمتلك شعارات أكثر قبولا في بيئة عربية مأخوذة بقصائد التمجيد التاريخي والحديث عن الحضارة القديمة وروابط الدين، فباكستان لا تمتلك تاريخا من العلاقات السلبية مع العرب، ولم تخض ضدهم حربا، لهذا جاءت إلينا بعربات مزركشة بكل ألوان الخديعة، لتعميق مصالحها التي حرصت على طرحها بلغة ودية لا نتوءات حادة فيها، مستغلة عدم ثقة العرب بالجارين التركي والإيراني، بسبب تاريخ طويل من الحساسيات القديمة مع ما اعتبره العرب نوايا غير نزيهة لهما في الوطن العربي، فاستطاعت باكستان التي لم ترتبط بتاريخ سلبي مع العرب بأي شكل من الأشكال، إن تقدم نفسها كصديق صادق للعرب في قضاياهم العادلة وخاصة في مواجهة الاحتلال الصهيوني والدفاع عن قضية فلسطين التي اتخذها كثير من مسوقي بضاعتهم شماعة يعلقون عليها اخفاقاتهم في محاور أخرى، وحتى في النزاع الأخير سارعت إسلام آباد لعقد معاهدة دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية، وراحت تكرر أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي أخطار تتعرض المملكة، ولكن السعودية تعرضت لهجمات منسقة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة من جانب إيران، ولم تحرك باكستان ساكنا بل واصلت وساطتها بوقاحة أكبر لوقف الحرب، فهل يحق لمتعاهد أن يقوم بالوساطة بين طرفين أحدهما متعاهد معه، وآخر طرف معتد مؤشر عليه إقليميا ودوليا بأنه أكثر طرف مثير لعوامل الاضطراب والتأزم الإقليمي؟.

والثالثة أن باكستان التي قوبلت في الوطن العربي بصدور رحيبة، لم تراقب نشاط جالياتها في الخارج وخاصة في الوطن العربي وأين تتجه بوصلة ولائهم، وخاصة بعد عام 1979أي السنة التي وصل فيها الخميني للحكم في إيران، ورفع شعاره سيء الصيت "تصدير الثورة"، فباكستان لم تعاني لا كثيرا ولا قليلا من ويلات هذا الشعار، لأنه موجه نحو غرب الحدود الإيرانية، وربما هذا ما دفعها للترحيب كثيرا بفكرة تصديره إلى البلاد العربية لأن ذلك يُبّرد الكثير من الشحن المذهبي في الداخل، والأكثر من هذا أن شيعة باكستان تحولوا إلى أدوات بيد الحرس الثوري الإيراني الذي شكّل منهم مليشيا "زينبيون" الباكستانية عام 2013، لقمع الشعب السوري الذي اندلعت ثورته قبل عامين فقط من تشكيل هذه المليشيات التي ارتكبت فظائع وانتهاكات ذهب ضحيتها مئات الآلاف من السوريين، فباكستان والحال هذه، كانت حريصة على تجنيب وضعها الداخلي الدخول في أي احتقانات قد تعصف بالسلم الأهلي، ولو عن طريق تصدير أزمة داخلية حادة للخارج، أو غض النظر عمن يقوم بذلك، علينا ألا نغفل هذه العوامل في تحرك باكستان للوساطة عن تسليط الضوء على بعض صفحاتها الخفية.

فهل هناك هواجس لدى الحكم الباكستاني من تحرك مذهبي منظم تدعمه إيران قد يتسبب بكثير من الاضطراب الداخلي يؤدي إلى إغراء الهند بتجربة حظها في إضعاف الخصم الباكستاني، ولهذا تعرض باكستان كل ما لديها من ود ومن خبرة لخدمة إيران ومنع سقوط نظامها؟

مجلة صوت الطلبة عدد ٦٧ ١٩ أيلول ٢٠٢٦ بغداد

  مجلة صوت الطلبة  عدد ٦٧ ١٩ أيلول ٢٠٢٦ بغداد   للتصفح اضغط على الرابط الالكتروني ادناه  https://online.anyflip.com/rnvg/snka/mobile/index.h...