Monday, 23 June 2025

من "قصف مفاعل تموز" إلى "ضربة فوردو": عندما يتحوّل الإعلان المسبق إلى فرصة إنقاذ

 من "قصف مفاعل تموز" إلى "ضربة فوردو": عندما يتحوّل الإعلان المسبق إلى فرصة إنقاذ



مركز الدراسات الاستراتيحية 

جهاز المخابرات الوطني 

في السابع من حزيران/يونيو 1981، فجّرت إسرائيل صمت الأجواء بعملية عسكرية مفاجئة، استهدفت مفاعل "تموز" النووي العراقي في منطقة التويثة، جنوبي بغداد. العملية، المعروفة باسم "أوبرا" أو "عملية بابل", نُفّذت دون أي تحذير مسبق، وضربت قلب المشروع النووي العراقي في وضح النهار، وبشكل مباغت لا يحمل سوى عنوان واحد: الغدر العسكري باسم الأمن القومي الإسرائيلي.

لكن بعد أكثر من أربعة عقود، تغيّرت طبيعة المواجهة وتبدّلت قواعد الاشتباك. ففي خضم التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وقعت بالفعل ضربة جوية استهدفت مواقع نووية إيرانية حساسة، وعلى رأسها منشأة فوردو المحصّنة. هذه العملية، ورغم أهميتها، لم تكن مفاجِئة على الإطلاق. بل سبقتها تهديدات علنية، وتصريحات متكررة، وتسريبات إعلامية تتحدث عن "الساعة صفر" والهدف المرتقب.

والنتيجة؟ أن إيران – وفق تقارير استخباراتية وأقمار صناعية – تلقّت الرسالة واستعدّت جيدًا. فقد نقلت المعدات الحيوية من مواقعها المكشوفة، وخصوصًا من مفاعل فوردو، إلى أماكن بديلة أكثر تحصينًا داخل الجبال الصخرية العميقة. بل صوّرت الأقمار الصناعية شاحنات تصطفّ بالأرتال على أبواب المنشآت النووية، وكأنها عملية إخلاء تكتيكية محسوبة.

اللافت أن هذه الضربة – رغم ما رافقها من ضجيج سياسي وإعلامي – لم تسفر عن نتائج استراتيجية موازية لتلك التي حققتها غارة تموز على العراق. فبينما دمّرت إسرائيل مفاعلًا ناشئًا في العراق بشكل كلي عام 1981، لم تؤدِّ الضربة الأخيرة إلى تقويض جوهري للبنية التحتية النووية الإيرانية، والتي باتت موزعة، ومحصّنة، ومدروسة لوجستيًا.

تصريحات متضاربة... ورسائل متبادلة

قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في أعقاب الضربة:

"العملية استهدفت مكونات تهدد أمن المنطقة والعالم، وقد نُفذت بدقة لتفادي التصعيد".

في المقابل، ردّ قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي بقوله:

"هذه الضربة لن تُضعف إرادتنا، بل أثبتت أن عدونا لا يتحرك إلا عندما يشعر بالخطر الحقيقي من تقدمنا العلمي."

وصرّح مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، قبل أيام من تنفيذ الضربة قائلاً:

"لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. لكننا نفضل الدبلوماسية إذا تجاوبت طهران."

أما وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، فقال في تصريح مباشر:

"أي تهديد وجودي سنواجهه بمفاجأة تكتيكية حاسمة، لكننا لن نسمح بخلق نطنز أو تموز جديد في طهران."

تحليل سياسي: بين المسرح والواقع

الضربة التي وقعت مؤخرًا لا يمكن فصلها عن سياق سياسي إقليمي ودولي بالغ التعقيد. فالإعلان المسبق عنها لم يكن غفلة عسكرية، بل قد يكون متعمدًا لأسباب تتعلق بإدارة التوازنات بين الردع والتحرك الفعلي.

قد تكون واشنطن وتل أبيب تعمّدتا "تحذير" طهران لإجبارها على إخلاء المنشآت، فتقع الضربة ضمن حدود "السيطرة السياسية" دون أن تنفجر الأوضاع نحو مواجهة شاملة. في المقابل، استثمرت إيران هذا الإعلان المبكر لصالحها، حيث حوّلت نفسها من "هدف" إلى خصم مناورة، يُصعّب الاستهداف ويُحبط الضربة جزئيًا.

وإذا ما قورنت هذه الضربة بنظيرتها على العراق عام 1981، فإن الفارق الجوهري هو أن إسرائيل اليوم تضرب خصمًا مستعدًا ومحصّنًا، بينما آنذاك، دمّرت مشروعًا عراقيًا في مهده، في وقت غفلة وتكالب دولي على بغداد.

في النهاية، قد يكون الفرق بين الضربتين هو الفرق بين من يُستهدف وهو نائم، ومن يُستهدف بعد أن استيقظ ولبس درعه.

معهد الدراسات الاستراتجية

جهاز المخابرات الوطني 

No comments:

Post a Comment

مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

  مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم هاتف الثلج قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل...