يوم النصر العظيم 8-8-1988
د.سالم سرية :اكاديمي وكاتب (فلسطين)
بمناسبة ذكرى النصر العظيم الذي حققه الجيش العراقي على الغزاة الفرس نستذكر هذه الملحمة الخالدة التي امتدت لثمانية سنوات لان الايام المشرقة في تاريخ الامة تبقى وقود الامل لبعث الامة كما تبقى مهمازا وحافزا للنهوض رغم سوداوية الظروف الحالية التي يمر بها العراق بعد الاحتلال الامريكي –الصفوي الغاشم .
لقد كتب عن الحرب العراقية الايرانية آلاف المجلدات وتم تناول اسبابها ونتائجها على كافة الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.وكشف النقاب عن الكثير من اسرارها وخفاياها وبقي السؤال الذي يطرح نفسه :كيف انتصر العراق في ثمانية آب رغم الخلل الكبير في ميزان القوى بين الطرفين علما ان عدد سكان إيران انذاك 39 مليون نسمة والعراق 13 مليون نسمة أي أن سكان إيران ثلاثة أضعاف سكان العراق وان مساحة إيران تزيد على مساحة العراق بأكثر من ثلاثة أضعاف ونصف.وهذا ما نود الاجابة عليه ادناه ولكن قبل ذلك من المناسب الرد على كل الاصوات الزاعقة الناعقة التي طالما قالت :
1- ان العراق هو الذي بدأ الحرب لإجهاض الثورة الاسلامية.
2-انه كان من الممكن تفادي هذه الحرب التي دمرت البلدين .
هذه بعض العينات من الاصوات المغرضة والمشبوهة وقصيرة النظر والتي خدعت بالشاه المعمم الذي رفع شعار الموت لأمريكا والموت لإسرائيل وضلل قطاعات واسعة من ابناء الامة العربية والأمم الاسلامية .وردا على ذلك نقول :
1-تؤكد كل الوثائق والدلالات الملموسة ان ايران هي التي بدأت الحرب في 4-9-1980 واستمرت حتى 22-9-1980 وخلال هذه الفترة تقدم العراق بشكاوى الى مجلس الامن الدولي وصبر صبر ايوب على قصف مدنه الحدودية وقيام الطائرات العسكرية الإيرانية باختراق الأجواء العراقية بالإغارة على عدد من المنشآت العراقية حيث بلغت 249 خرقآ للفترة من شباط 1979 الى ايلول 1980 قبل الحرب حيث تم إسقاط إحدى الطائرات وأسر قائدها المدعو (حسن لشكري) الذي احتفظت به القيادة العراقية إلى نهاية التسعينات على أنه دليل إثبات على بدء الحرب من قبل الجانب الإيراني . وتحريض عملاؤهم داخل العراق وما يسمى حزب الدعوة لإشعال نار الفتنة الطائفية والقيام بتفجيرات داخل المدن والعاصمة بغداد وتنفيذ العمليات الإجرامية ضد الشعب العراقي ومؤسسات الدولة العراقية وكوادر ومسئولي الدولة العراقية. كما تم استهداف مواكب التشييع لشهداء التفجيرات الداخلية التي قام بها اذناب ايران ومحاولة اغتيال المرحوم طارق عزيز جنائز ومشيعين في الخامس من نيسان 1980 لضحايا طلبة وطالبات الجامعة المستنصرية حيث ذهب ضحية الأعتداء عدد من الطلبة والمواطنين.كما تعرضت الأهداف المدنية العراقية داخل الأراضي العراقية الى 244 قصف واعتداء من قبل الجانب الإيراني للفترة من حزيران 1979 الى ايلول 1980 قبل الحرب.وبناء على كل ما سبق ذكره هب العراق للدفاع عن نفسه في 22-9-1980 .
2-لقد حاول العراق جاهدا ان لا يزج نفسه في حرب مع الجارة ايران وهنأ القيادة الايرانية بثورتها عسى ان تكون صادقه في شعاراتها التي رفعتها ولم يترك مؤتمرا عربيا او دوليا إلا وطرح وقف اطلاق النار بين الطرفين وسمح لكل الوساطات العربية والإسلامية ان تتدخل وكان الرد الايراني دائما وأبدا هو اسقاط النظام الوطني كشرط مسبق لوقف القتال .وفي عام 1982 سحب العراق قواته من الاراضي الايرانية ليؤكد صدق نواياه لإيقاف الحرب ولكن دون جدوى وبقي الرد الايراني كما هو بل زاد تعنتا واعتبر ان كل مواقف العراق هي دليل ضعف وان شيعة العراق سيستقبلونه بالورود والرياحين على حد اعتقاده الخائب .لذا فان العراق خاض معركة الدفاع عن وطنه مجبرا امام الغزاة الفرس .
وعودة الى الاجابة عن كيفية تحقيق النصر نقول ان خط المواجهة مع ايران كان 1400 كم في حرب تخللتها آلاف المعارك والتي فيها كر وفر وفيها تقدم وتراجع لمدة ثمانية سنوات بأيامها ولياليها وفيها حصار دولي على تزويد كلا الطرفين بالسلاح كما اقرته الامم المتحدة .حتى ان شحنة السلاح السوفيتية المتوجهة للعراق قد عادت الى بلادها في حينه .وفي ظل هذه الظروف كان هناك جملة عوامل موضوعية حصدت النصر المبين ومنها :
اولا:-دور القائد صدام حسين -رحمه الله -.: ان صدام حسين لم يكن رئيسا كلاسيكيا كأي رئيس قي سدة الحكم يتابع المعارك عن بعد بل قائدا ميدانيا ذو بصيرة نافذة .وتتجلى هذه البصيرة بأنه اكتشف مسبقا نوايا خميني العدوانية من خلال:
أ-كراس خميني الذي يدعو فيه الى تصدير الثورة من خلال نظرية الولي الفقيه التي دعى اليها قبل ان يتسلم سدة الحكم .
ب- ارسل القائد صدام حسين سرا ضابطا في المخابرات العراقية (كان على صلة وثيقة بخميني اثناء اقامته في العراق) الى باريس لمقابلة خميني ليجس نبضه ونواياه تجاه العراق ورجع هذا الضابط ليؤكد نواياه العدوانية .
اذن كان صدام حسين سباقا في رؤية الخطر الداهم قبل وقوعه وبالتالي حسم امر المواجهة واعد مستلزماتها رغم ان بعض اعضاء القيادة كانوا يعولون على امكانية التفاهم مع خميني في حينه. اننا عندما نقول ان صدام حسين قد كان قائدا ميدانيا انما نعني انه كان يمتلك الشجاعة والإرادة من خلال تواجده في الساحات الامامية للجبهة وكاد في احدى الزيارات ان يقع في الاسر لولا عناية الباري سبحانه وتعالى .اضافة لتواجده الدائم بين قواته وحضوره للمؤتمرات العسكرية التي كانت تعقد لتقييم الصولات بنتائجها الايجابية والسلبية فيكرم من يستحق التكريم ويعاقب من يستحق العقوبة حسب التقاليد العسكرية المعمول بها .كما صدرت قرارات بتكريم ورعاية عوائل الشهداء الاكرم منا جميعا وتم تشكيل الجيش الشعبي ليكون رديفا للقوات المسلحة .فالجيش العراقي الذي كان تعداده في بداية الملحمة كان بحدود 300 الف مقاتل اصبح في نهاية الملحمة حوالي مليون مقاتل .
ثانيا :دور العقل العراقي :
1-عندما قامت ايران بقصف بغداد بصواريخ سكود عام 1987 والتي مداها 150 كم كانت صواريخ سكود العراقية غير قادرة على دك طهران التي تبعد 600 كم . وبفضل العقل العراقي تم تطوير مدى الصواريخ العراقية الى مدى 300 كم - صواريخ الحسين –وصواريخ العباس الى 600 كم وذلك في بداية عام 1988 وتم دك طهران ب 160 صاروخا .
2-تطوير طائرة الاواكس العراقية وتطوير العديد من الاسلحة من حيث المدى والقدرة النارية لمواجهة الاعداد الهائلة من المجندين الايرانيين الذين غرر بهم وهم يحملون مفاتيح الجنة !!!
3- نضج المخططات العسكرية التي تطورت من خلال المؤتمرات العسكرية التي كانت تعقد اثر كل معركة وبفضل العقل العسكري الناضج نجح العراق في تحرير مدينة الفاو خلال 36 ساعة في 16-4-1988 وتم كذلك تحرير العديد من القرى والقصبات التي احتلتها ايران .
4- نجح العقل العسكري العراقي في شل الاقتصاد الايراني من خلال استهداف المنشآت النفطية الايرانية في الوقت الذي حافظ العراق على استمرارية تصدير نفطة عبر الخط الذي يمر في تركيا .
ثالثا : في الوقت الذي وقف نظام حافظ اسد موقفا مواليا وداعما لإيران بكل امكانياته وتزويده بالسلاح والعتاد اضافة الى دعم امريكا والكيان الصهيوني لإيران (فضيحة ووتر غيت الاولى والثانية ) كان لليمن بقيادة المرحوم علي عبد لله صالح موقفا مشرفا في دعم العراق اضافة الى موقف عمان .
رابعا : ان استبسال الجيش العراقي ودفاعه عن تراب الوطن وكرامته وعبر ثمانية سنوات قد جعل ميزان القوى يختل لصالح العراق كما عبر شيعة العراق عن انتمائهم الوطني والعربي افضل تعبير وتبخرت احلام خميني الذي كان يعتقد واهما ان شيعة العراق ستنضم اليه .فعلى ابواب البصرة والفاو تم تمريغ انف خميني بالتراب وجعلوه يتجرع كأس السم .
خلاصة القول ان بفضل عشرات الالاف من الشهداء ودمائهم الزكية تحقق النصر وبفضل قيادة الشهيد صدام حسين –رحمة الله والعوامل السابق ذكرها كان هذا النصر المبين . ولولا هذه الملحمة الخالدة لفعلت ايران في العراق عام 1980 ما فعلته وتفعله حاليا من دمار وخراب امتد منذ عام 2003 وحتى الان .