Thursday, 11 June 2026

مجلة المعلم الجديد عدد ٤ ١١ حزيران ٢٠٢٦

مجلة المعلم الجديد 

عدد ٤

١١ حزيران ٢٠٢٦

للاطلاع ،،اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 

https://online.anyflip.com/rnvg/ykyn/mobile/index.html










Wednesday, 10 June 2026

المحاكمة الغائبة: وثائق الإدانة والمسؤولية الجنائية لنوري المالكي في سقوط الموصل / بقلم نادية الصمادي

 المحاكمة الغائبة: وثائق الإدانة والمسؤولية الجنائية لنوري المالكي في سقوط الموصل


نادية الصمادي

في العاشر من حزيران (يونيو) من كل عام، تعود إلى الأذهان واحدة من أكثر الفواجع إيلاماً في تاريخ العراق الحديث: سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "د111اعش" ا-ل-إ-ر-ه-ا-ب-ي عام 2014. هذا الحدث لم يكن مجرد انكسار عسكري عابر أو كبوة ميدانية، بل صُنف عبر أعلى سلطة تشريعية في البلاد كـ "خيانة عظمى" وفق تقارير برلمانية وقانونية رسمية شخّصت بدقة مكامن التقصير والمسؤولية المباشرة التي تقع على عاتق رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، نوري المالكي.

في هذه القراءة التوثيقية الشاملة، نستعرض بالتفصيل، والتواريخ، والأدلة الدامغة أبعاد المحاكمة الغائبة، ومؤشرات التواطؤ، والتأثير الإقليمي الذي قاده جنرال الظل الإيراني قاسم سليماني لإسقاط ثاني أكبر مدن العراق.

1. التقرير البرلماني الرسمي: وثيقة الإدانة المنسية

في مطلع عام 2015، شكّل مجلس النواب العراقي لجنة نيابية خاصة سُميت بـ "لجنة التحقيق في سقوط الموصل"، ضمت 26 عضواً من مختلف الأطياف السياسية. واستمرت أعمالها 8 أشهر، استمعت خلالها لشهادات 82 شخصية من كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين لتقديم الحقيقة للشعب العراقي.

التاريخ المفصلي: 16 آب (أغسطس) 2015.

الحدث: صوت البرلمان العراقي بالأغلبية المطلقة على إحالة التقرير النهائي للجنة إلى الادعاء العام وهيئة النزاهة والقضاء دون حذف أي اسم.

النتيجة والأدلة الموثقة: جاء نوري المالكي على رأس قائمة المتهمين الـ 36 بالمسؤولية المباشرة عن سقوط المدينة. ووفقاً لمحتوى التقرير الرسمي الذي نشرته وكالات الأنباء العالمية والمحلية (مثل فرانس برس والجزيرة):

تضليل الرأي العام وإهمال التحذيرات الاستخبارية: أثبتت الوثائق الرسمية أن مديرية استخبارات نينوى رفعت تقارير مفصلة ومكررة قبل أكثر من شهر من الكارثة (خلال أيار/مايو 2014) تؤكد نية تنظيم دا111111عش شن هجوم واسع وحددت محاوره بدقة، إلا أن القيادة العامة للقوات المسلحة (مكتب المالكي) تعمدت التغاضي عنها ووصفها بـ "الشائعات".

تفكيك وتدمير المنظومة القيادية: حَمّل التقرير المالكي مسؤولية حصرية في اختيار قادة عسكريين يفتقرون للكفاءة والنزاهة، والانغماس في قضايا فساد مالي وإداري مرعب تجسد في ظاهرة "الجنود الفضائيين" (أسماء وهمية لجنود يتقاضى القادة رواتبهم دون وجودهم على الأرض)، مما جعل القوة الفعلية على الورق أضعاف ما هي عليه في الميدان.

2. التسلسل الزمني للأيام الحرجة (يونيو 2014) وأوامر الانسحاب المريبة

تشير شهادات القادة العسكريين الميدانيين أمام اللجنة البرلمانية إلى تخبط واختراق واضح في هرم القيادة المرتبط مباشرة بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، مما يثبت شبهة التواطؤ العمدي لإخلاء المدينة:

4 حزيران 2014: بدء تسلل عناصر التنظيم إلى الأحياء الغربية للموصل. ورغم الفارق العددي الشاسع لصالح القوات الحكومية (التي كانت تقدر بقرابة 60 ألف عنصر أمني مجهزين بأحدث الأسلحة الأميركية مقابل بضع مئات من عناصر دا1111عش)، إلا أن غياب القيادة الموحدة والمركزية عطل التحرك الميداني.

8 حزيران 2014: وصول قادة عسكريين مبعوثين حصرياً من بغداد لإدارة الأزمة، وعلى رأسهم معاون رئيس أركان الجيش عبود قنبر وقائد القوات البرية علي غيدان. هؤلاء القادة أداروا المعركة عبر قنوات اتصال سرية ومباشرة مع مكتب المالكي متجاوزين تماماً القيادات المحلية ومحافظ نينوى أثيل النجيفي.

9 - 10 حزيران 2014: صدرت أوامر انسحاب مفاجئة وغير مبررة عسكرياً تسببت في انهيار معنويات المقاتلين بشكل دراماتيكي. الفريق مهدي الغراوي (قائد عمليات نينوى آنذاك) صرّح في شهادات علنية لاحقة وفي وثائق المحاكمات العسكرية بأنه تلقى تلميحات وأوامر مباشرة بالانسحاب من قنبر وغيدان. انسحب القادة الكبار ليلة 9 حزيران تاركين خلفهم مخازن أسلحة فرقتين عسكريتين كاملتين وثقيلتين لتكون لقمة سائغة للتنظيم ال-إ-ر-ه-ا--ب-ي.

3. هندسة السقوط: خيوط التواطؤ بين المالكي وقاسم سليماني

لم يكن سقوط الموصل مجرد فشل تكتيكي، بل كان خطوة مدروسة ضمن رؤية استراتيجية إقليمية أشرف عليها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وتولى نوري المالكي تنفيذ أدواتها على الأرض لتحقيق مأربين رئيسيين:

شيطنة الحراك السلمي وتبرير القمع: طوال عام 2013، شهدت المحافظات الشمالية والغربية (ومنها نينوى) اعتصامات سلمية مشروعة تطالب بالإصلاح السياسي والتوازن الإداري. وبتوجيهات ودعم مباشر من طهران، اختار المالكي مواجهة هذه الحراكات بالحديد والنار (مثل مجزرة الحويجة)، مما خلق فجوة هائلة وعداءً مستحكماً بين الأهالي والقطاعات العسكرية، ووفر البيئة النفسية والميدانية لتوغل تنظيم د11111اعش.

تأسيس "الجيش الموازي" وشرعنة النفوذ الإيراني: يرى مراقبون ومؤرخون عسكريون للحرب على دا11111عش أن إضعاف الجيش العراقي النظامي وحل قطعاته في الموصل بصورة فوضوية ومذلة، كان يهدف بالأساس إلى خلق ضرورة وجودية وعقائدية لقوات بديلة موازية للدولة. هذا التخطيط أسفر فوراً عن إطلاق "فتوى الجهاد الكفائي" وتأسيس "الحشد الشعبي"، وهي الصيغة الكربونية التي اعتمدها قاسم سليماني في شتى دول النفوذ الإقليمي (صيغة الحرس الثوري والجيش الموازي) لإضعاف سيادة الدولة الوطنية وجعل القرار الأمني رهيناً للفصائل الولائية.

4. أحكام القضاء العراقي: محاكمة الصغار لحماية "الهالكي"

لو كان هناك قضاء عراقي مستقل وعادل تماماً ومتحرر من سطوة النفوذ السياسي، لكانت التهم الموجهة للمالكي تندرج تحت بنود "الخيانة العظمى، والتقصير العمدي المؤدي إلى هدر أرواح المواطنين وأموال الدولة، وتسليم أراضٍ سيادية ومعدات استراتيجية للعدو".

بدلاً من ذلك، سارت المحاكمات العسكرية بطريقة انتقائية تثير الريبة:

الدليل القضائي: أصدرت المحكمة العسكرية العراقية حكماً غيابياً بـ "الإعدام رمياً بالرصاص" بحق الفريق مهدي الغراوي بتهمة الهروب والتخاذل في حماية الموصل (وتم تعميم الحكم وتأكيده مجدداً عام 2017 وفق وثائق مسربة من وزارة الداخلية).

المفارقة السياسية: في المقابل، حُفظت القضايا المرفوعة ضد المدان الأول نوري المالكي تحت وطأة "التوافقات السياسية، والمحاصصة الحزبية"، والتهديد بـ "جر البلاد إلى بحر من الدماء والفتنة الأهلية". وبدلاً من مثوله خلف القضبان، غادر المالكي فور صدور التقرير البرلماني عام 2015 إلى العاصمة الإيرانية طهران، مطلقاً من هناك تصريحه الشهير الذي رفض فيه نتائج التحقيق واصفاً إياها بأنها: "مؤامرة سياسية حيكت في أربيل ولا قيمة قانونية لها".

الخلاصة والمصادر المرجعية الدقيقة

إن فاجعة سقوط الموصل ستبقى وثيقة إدانة تاريخية وقانونية مسجلة لا تموت بالتقادم، وهي موثقة في المراجع الرسمية التالية:

التقرير النهائي الصادر عن "لجنة التحقيق في سقوط الموصل" والمصادق عليه من مجلس النواب العراقي (آب 2015).

الشهادات الرسمية المسجلة لوزير الدفاع بالوكالة الأسبق سعدون الدليمي ومحافظ نينوى أثيل النجيفي.

التقارير الاستخبارية المسبقة المرفوعة من مديرية استخبارات نينوى والمنشورة في ملحقات التحقيق لعام 2014.

من المنظور الجنائي العسكري الصرف، القائد العام للقوات المسلحة هو المسؤول الأول والأخير عن تحرك وعقيدة وانسحاب القطعات. وإن التواطؤ لإخلاء مدينة بحجم الموصل وترك أهلها لقمة سائغة ل-ل-إ-ر-ه-ا-ب سيبقى وصمة عار وجريمة كبرى تنتظر القضاء العادل لإنصاف الضحايا ومحاسبة الفاعل الحقيقي.

Monday, 8 June 2026

محاضرة ،التراث غير المادي جسر بين الماضي والحاضر وصناعة المستقبل/ أ.د عبد الكريفة خليفة

 محاضرة في قصر الثقافة في كركوك 

التراث غير المادي جسر بين الماضي والحاضر وصناعة المستقبل.


أ.د عبد الكريم خليفة 

اليوم صباحا  كانت لنا محاضرة عن  التاريخ غير المادي (أو ما يعرف بالتراث الثقافي غير المادي) هو ذلك الجانب من التاريخ البشري الذي لا يحفظ في المتاحف داخل واجهات زجاجية ولا يمثل في القلاع والاثار الحجرية بل يعيش في عقول وقلوب الشعوب وينقل من جيل إلى جيل عبر الممارسة والشفاهة.

​لعقود طويلة كان التركيز العالمي منصبا على التراث المادي (مثل الأهرامات، سور الصين العظيم، جنائن المعلقة  والمدن الأثرية) لكن مع مرور الوقت أدرك المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا أن ثقافة الشعوب وهويتها الحقيقية تكمن في تقاليدها الحية.

​البدايات (القرن العشرين) بدأت بعض الدول (مثل اليابان وكوريا الجنوبية) في خمسينيات القرن الماضي بوضع قوانين لحماية ما سمته الكنوز البشرية الحية للحفاظ على الحرف والرقصات التقليدية من الاندثار بسبب التحديث السريع.

​تحول المفهوم لدى اليونسكو (1989): أصدرت منظمة اليونسكو توصية بشأن حماية الثقافة التقليدية والفلكلور وهي أول خطوة دولية حقيقية للالتفات لهذا النوع من التاريخ.

​المنعطف التاريخي (2003) اعتمدت اليونسكو اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي هنا تم تعريف هذا التاريخ رسمياً باعتباره الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات التي تعترف بها الجماعات باعتبارها جزءاً من تراثها الثقافي

​أمثلة على التاريخ والتراث غير المادي

​يُقسم التاريخ غير المادي إلى عدة مجالات رئيسية، تتنوع بتنوع الثقافات:

​1. التقاليد وأشكال التعبير الشفهي

​وتشمل اللغات، الحكايات الشعبية، والأساطير التي تناقلتها الأجيال دون تدوين في البداية.

​السيرة الهلالية (مصر/المنطقة العربية) ملحمة شعرية طويلة تُغنى بمصاحبة آلة الربابة، تروي هجرة بني هلال، وتعد تأريخاً شفهياً للقيم والبطولات العربية.

​الحكايات الخرافية لـ الحواتين (قصاصي الأثر والقصص في المغرب) مثل ساحة "جامع الفنا" في مراكش حيث ينقل التاريخ والقصص الشفهية حية أمام الجمهور وفي العراق الحكواتي قصة الزير سالم وغيره

​2. فنون العرض والأداء

​الحركات، الرقصات، والموسيقى التي تعبر عن تاريخ أمة أو طقوسها مثل الهيوه البصرية 

 و​رقصة العرضة النجدية (السعودية) رقصة شعبية بدأت كأهزوجة حرب وتحولت إلى رمز للفخر والوحدة الوطنية والمناسبات الرسمية والدبكات الكردية والتركمانية والعربية والجوبي والخوريات والمقامات 

​مسرح النو (اليابان): أحد أقدم أشكال المسرح في العالم يدمج بين الموسيقى والرقص والدراما، ويعكس فلسفة وتاريخ المجتمع الياباني القديم

​موسيقى الفلامنكو (إسبانيا) تعبير فني ناتج عن امتزاج ثقافات متعددة (غجرية، عربية، أندلسية) عبر التاريخ في جنوب إسبانيا.

​3. الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات

​الأحداث التي تجمع المجتمعات وتُحيي مناسبات تاريخية أو موسمية.

​عيد النوروز (عيد رأس السنة الفارسية والكردية) احتفال تاريخي يعود لآلاف السنين يمثل بداية الربيع وتجدد الطبيعة وانتصار  الحق عن الباطل  وكاوه الحداد  ويحتفل به في دول متعددة (إيران، العراق، أذربيجان، وسط آسيا)

​يوم الموتى (المكسيك) طقس تاريخي يرجع إلى حضارات السكان الأصليين (مثل الأزتيك) حيث يُحتفى بذكرى الراحلين بأسلوب مبهج يدمج بين العقائد القديمة والمسيحية وايضا المواكب الحسينية والدروشة 

​4. المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون

​العلوم التقليدية التي طورها الأجداد للتعامل مع بيئتهم

​الطب التقليدي الصيني منظومة علاجية تاريخية تعتمد على فهم توازن الطاقة في الجسم، ونُقلت عبر آلاف السنين الطب النبوي الحجامة

​نظام الأفلاج للري (سلطنة عمان) نظام هندسي واجتماعي تقليدي لتوزيع المياه يعود لمئات السنين يعكس عبقرية الإنسان في إدارة الموارد المائية الشحيحة النواعير 

​5. مهارات الحرف اليدوية التقليدية

​الصناعات التي تعتمد على المهارة البشرية المتوارثة وليس الآلات الحديثة

​صناعة السجاد اليدوي (إيران/أذربيجان صناعة التنانير في العراق  الخزف  والصناعات اليدوية مهارة معقدة تنقل من الأمهات والآباء إلى الأبناء، وتحمل النقوش فيها دلالات تاريخية وقبلية محددة

​الخط العربي ليس مجرد أداة للكتابة بل فن إسلامي وتاريخي عريق يرتبط بحفظ النصوص والهوية البصرية للحضارة الإسلامية.

وبعدها تم شرح منهجية البحث في هذا الموضوع ضمن  المنهج الانثروبولوجي والمنهج السسيولوجي والمنهج التاريخي  

 لتوثيق المصادر ونقلها يتبع قواعد منهجية خاصة تجمع بين الأمانة العلمية والتوثيق الأكاديمي.

​وشرحت الجانب  العملي لكيفية نقل وتوثيق المصادر في هذا النوع من البحوث مقسمة حسب طبيعة المصدر

​أولا: نقل وتوثيق المصادر الميدانية (الرواية الشفهية)

​هذا هو الجزء الأهم والأكثر خصوصية في بحوث التراث غير المادي عند نقل كلام الراوي أو الحرفي أو الفنان يجب توثيقه في الهامش (الباور) أو في قائمة المصادر كالتالي:

​1. البيانات الأساسية المطلوبة للراوي:

​عند النقل عن شخص يجب أن يتضمن التوثيق:

​اسم الراوي (الكامل أو الشهرة إذا كان معروفاً بها في مجاله).

​العمر (تقريبياً إن لم يكن دقيقا لأن العمر يمنح الرواية ثقلا تاريخيا)

​المهنة أو الصفة التراثية (مثلا: عازف مقام، خبير طهي تقليدي، صانع فخار، وجيه محلي).

​مكان الإقامة أو مكان إجراء المقابلة (المدينة، الحي، أو القرية).

​تاريخ إجراء المقابلة بدقة (اليوم، الشهر، السنة).

​2. صيغة التوثيق في الهامش (مثال):

​المثال: مقابلة شخصية شفهية مع السيد [اسم الراوي] (عازف وباحث في المقامات المحلية، 68 عاماً) أجرى المقابلة الباحث في مدينة [اسم المدينة] بتاريخ 14 أيار 2026.

​3. طريقة نقل الكلام في المتن:

​النقل الحرفي (الاقتباس المباشر): يوضع كلام الراوي بين علامتي تنصيص « » أو " " ويفضل في التراث غير المادي الحفاظ على اللفظة الشعبية أو اللهجة المحلية كما نطقها الراوي إذا كانت تخدم دلالة العنصر الثقافي مع شرح معناها الفصيح بين معقوفتين [ ] إن لزم الأمر.

​النقل بالمعنى (الاقتباس غير المباشر): صياغة الفكرة بأسلوبك الأكاديمي مع الإشارة في الهامش إلى أن الفكرة مستقاة من المقابلة مع الراوي الفلان.

​ثانياً: نقل وتوثيق "المواد السمعية والبصرية" (Audio-Visual Sources)

​في التراث الحي كثيراً ما يعتمد الباحث على تسجيلات قديمة أسطوانات موسيقية، فيديوهات وثائقية أو صور فوتوغرافية

​صيغة التوثيق:

​التسجيلات الموسيقية/الصوتية: يذكر اسم الفنان/المؤدي اسم الأغنية أو المقام اسم الشركة المنتجة أو الإذاعة (إن وجدت) وسنة التسجيل (مثال: أسطوانة صوتية للفنان [...]، مقام [...]، إنتاج شركة [...]، بغداد 1954)

​الفيديوهات والمنصات الرقمية: إذا كان المقطع مأخوذاً من أرشيف رقمي أو منصة (مثل يوتيوب) يذكر اسم القناة أو الجهة الناشرة عنوان الفيديو، الرابط الإلكتروني (URL)، وتاريخ الاطلاع عليه.

​ثالثاً: نقل وتوثيق "المصادر المكتوبة" (الكتب والوثائق والأرشيفات)

​تخضع للمنهج الأكاديمي التقليدي (مثل نظام APA )او غيره وفي نهاية المحاضرة اشترك الحضور بمداخلات عديدة اغنت الموضوع شكري للقصر الثقافي متمثل  بالاستاذ يوسف الطيب مدير القصر والاستاذ عمار معاونة وكادر البيت والزملاء الحضور.













Sunday, 7 June 2026

تفنيد الافتراءات الرخيصة: الماجدة العراقية في فكر القائد صدام حسين وحصن العراق المنيع/ بقلم نادية الصمادي

 تفنيد الافتراءات الرخيصة من المدعو التافه فلاح المشعل .


الماجدة العراقية في فكر القائد صدام حسين وحصن العراق المنيع

نادية الصمادي

يحاول بعض الأدعياء، ومنهم فلاح المشعل، تزييف التاريخ القريب بامتياز عبر إطلاق أكاذيب ممجوجة تتدعي إساة القيادة العراقية الشرعية لنهر الشرف المتدفق في جنوب العراق وعموم أرض الرافدين. إن هذه الادعاءات لا تصمد أمام شمس الحقيقة والوثائق والتشريعات التي صاغتها الدولة العراقية، والتي جعلت من المرأة العراقية شريكة الخندق، وصانعة الأجيال، وحصن الأمة الحصين.

في سياق الرد الحاسم والموثق، نضع بين أيدي التاريخ والقارئ العربي هذه المقالة البحثية والتحليلية المدعمة بالبيانات حول مكانة "الماجدة العراقية" وتكامل دورها من شمال الوطن إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.

أولاً: فلسفة التسمية.. لماذا "الماجدة"؟

لم يكن إطلاق الرئيس القائد صدام حسين للقب "الماجدة" على المرأة العراقية مجرد شعار سياسي أو ترف لغوي، بل كان اعترافاً رسمياً وفلسفياً بجوهر كينونتها.

الأصالة اللغوية والاجتماعية: الماجدة في اللغة هي الشريفة، الخيّرة، ذات المجد التليد التي تجوع ولا تأكل بثدييها.

المنظور القيادي: كان القائد يرى أن حماية شرف الماجدة هو المرادف الحقيقي لحماية سيادة العراق. وفي أدبيات الثورة، اعتُبرت كرامة المرأة خطاً أحمر؛ فصيانتها تضمن تماسك الجبهة الداخلية وصمودها أمام أعتى الحروب والحصارات.

ثانياً: جغرافية العز.. الماجدة من زاخو إلى الفاو

تكاملت أدوار المرأة العراقية جغرافياً لترسم لوحة صمود موحدة أفشلت كل مراهنات التفتيت والتقسيم:

1. ماجدات الجنوب والفرات الأوسط (حارسات الهوية والطين الحري)

خلافاً لافتراءات الأقلام المأجورة، حظيت المرأة في جنوب العراق بقدسية استثنائية في فكر القيادة. إن نساء العمارة، والناصرية، والبصرة، والديوانية، والنجف، وكربلاء، كُنّ العمود الفقري للصمود خلال قادسية صدام المجيدة. واجهن ظروف الحرب بصلابة، ودفعن بأبنائهن وأزواجهن لحماية البوابة الشرقية للأمة، وقدّمن قوافل من الشهداء بصبر أسطوري أذهل المراقبين. كُنّ يزرعن الأرض، ويُدرن البيوت، ويحافظن على قيم العفة والتقاليد العربية الأصيلة.

2. ماجدات الوسط والغرب (العزيمة والأنفة العالية)

في بغداد، والأنبار، وصلاح الدين، وديالى، تجلى دور الماجدة في الإدارة والتعليم والبناء؛ فبرزن كأكاديميات، وطبيبات، ومهندسات قدن قاطرة التنمية ومؤسسات الدولة في أحلك سنوات الحصار الاقتصادي الجائر.

3. ماجدات الشمال (الأصالة ووشم الأرض)

في نينوى، والتأميم (كركوك)، ودهوك، وأربيل، والسليمانية، شكلت الماجدة الكردية، والتركمانية، والعربية صمام أمان للتعايش والأصالة، وشاركت بفعالية في محو الأمية والنهوض بالواقع الصحي والزراعي في الأرياف والجبال.

ثالثاً: خمس ماجدات شجعهن "أبو عدي" وتقلّدن ذروة المجد

لقد أثبتت الدولة في عهد الرئيس صدام حسين إيمانها بالمرأة عبر تمكين كفاءات نسائية استثنائية أدرن ملفات استراتيجية وعلمية غاية في التعقيد والخطورة، ومنهن:

الدكتورة رحاب طه (عالمة البيولوجي): خريجة جامعة بريطانية، قادت بجدارة وتفوق برامج علمية وبحثية معقدة في التصنيع العسكري لحماية أمن العراق القومي، وحظيت بتقدير ودعم مباشر من القيادة العليا.

الدكتورة هدى صالح مهدي عماش (عالمة الأحياء الدقيقة): نالت شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة، وتولت مناصب قيادية رفيعة أكاديمياً وحزبياً (عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي)، وكانت رمزاً للمرأة القيادية والمفكرة.

الأستاذة نوال الآلوسي (وزيرة ومسؤولة إدارية): برزت في قطاعات العمل والشؤون الاجتماعية والتخطيط، تجسيداً لثقة القيادة في قدرة المرأة على إدارة مفاصل الدولة التنفيذية.

الدكتورة أمل خضير (رائدة الطب والبحث العلمي): حظيت بدعم استثنائي لتطوير المؤسسات الطبية والتعليم العالي لخدمة صحة الماجدات والأطفال في عموم محافظات العراق.

الفنانة والمخرجة خيرية منصور: نموذج للمواهم الإبداعية التي دعمتها الدولة لتأسيس سينما وإعلام وثائقي عراقي يوثق بطولات الشعب العراقي بلمسة إبداعية نسوية محترفة.

رابعاً: النهضة التشريعية والتعليمية بالأرقام والبيانات

لم تكن مكانة الماجدة شعارات شفهية، بل تُرجمت إلى واقع رقمي وتشريعي صارم حقق قفزات نوعية شهدت بها المنظمات الدولية:

قانون الأحوال الشخصية المعدل (رقم 21 لسنة 1978): منح المرأة العراقية حقوقاً غير مسبوقة في المساواة بالحقوق المدنية، وإلغاء التعسف في الطلاق، وضمان حق الحضانة، والمساواة الكاملة في الإرث والمعاملات المالية.

قانون الحملة الوطنية الشاملة لمحو الأمية الإلزامي (1978): وبفضله تم القضاء على الأمية بين النساء في العراق بنسبة تقارب 100% في مطلع الثمانينيات، ونال العراق جائزة اليونسكو لثلاث مرات متتالية كأفضل دولة في تطوير التعليم.

المساواة في الأجور والعمل: كفل قانون الخدمة المدنية وقانون العمل المساواة التامة في الرواتب والمخصصات بين الرجل والمرأة، مع منح الماجدات إجازات أمومة مدفوعة الثمن تضمن تفرغهن لتربية النشء دون المساس بمستقبلهن المهني.

خامساً: من درر أقوال القائد صدام حسين في الماجدة

وتظل كلمات القائد صدام حسين وثائق حية تلجم أفواه المفترين، ومنها قوله:

"إن الماجدة العراقية هي التي حفظت شرف الأمة وصانت خندقها الداخلي عندما كان الرجال يذودون عن حياض الوطن في جبهات القتال.. إنها مصنع الأبطال والقلعة التليدة التي لا تطالها يد الغدر."

وقال في موضع آخر مؤكداً على شرف نساء الجنوب والفرات وعموم العراق:

"المرأة العراقية شرفنا، ومن يمس شرف الماجدة العراقية بنظرة أو كلمة إنما يمس كرامة القيادة وشرف الثورة ذاتها.. الماجدات هنّ العرض الأصيل الذي نذود عنه بالأرواح."

المراجع والتوثيقات التاريخية:

الوقائع العراقية: نصوص القوانين الصادرة عن مجلس قيادة الثورة (قانون الأحوال الشخصية، وقانون محو الأمية الإلزامي 1978).

تقارير منظمة اليونسكو (UNESCO) واليونسيف: التقارير الدورية الخاصة بالشرق الأوسط والشرق  الأدنى للأعوام (1980 - 1985) التي أشادت بجهود العراق في تمكين المرأة وتصفير نسبة الأمية.

موسوعة خطابات وأحاديث الرئيس القائد صدام حسين: المجلدات الخاصة باللقاءات الرسمية مع الاتحاد العام لنساء العراق.

وثائق الاتحاد العام لنساء العراق: التقارير السنوية حول مشاركة المرأة الريفية والحضرية في خطط التنمية الشاملة.

Friday, 5 June 2026

طارق عزيز.. رجل الحبر والسياسة وحارس بوابات بغداد الدبلوماسية / بقلم نادية الصمادي

طارق عزيز.. رجل الحبر والسياسة وحارس بوابات بغداد الدبلوماسية



نادية الصمادي

مقدمة: السيادة في حقل الألغام

في تاريخ العلاقات الدولية الحديث، قلّما تتجسد السياسة الخارجية لدولة ما في ملامح رجل واحد كما تجسدت الدبلوماسية العراقية في شخص طارق عزيز. بنظارته الطبية السميكة، وسجاره الكوبي، وبذلته الأنيقة، كان عزيز يمثل الواجهة الثقافية والسياسية لعراق أواخر القرن العشرين. لم يكن مجرد موظف رفيع المستوى، بل كان مهندس العلاقات الدولية لبغداد، والصوت الشجاع الذي وقف في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن يدافع عن بلده في مرحلة هي الأكثر تعقيداً ودرااماتيكية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.

الجذور والنشأة: من أروقة الأدب إلى دهاليز السياسة

وُلد "ميخائيل يوحنا" (الذي عُرف لاحقاً باسم طارق عزيز) في 28 نيسان/أبريل 1936 بقرية تل كيف التابعة لمحافظة نينوى شمالي العراق، لعائلة مسيحية كلدانية. انتقلت العائلة لاحقاً إلى بغداد، حيث تلقى تعليمه في مدارسها الشعبية.

في خمسينيات القرن الماضي، التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد وتخرج منها حاملاً شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي عام 1958. هذه الخلفية الأدبية لم تمنحه طلاقة اللغة الإنجليزية فحسب، بل أكسبته قدرة استثنائية على صياغة العبارات الدبلوماسية الدقيقة وفهم العقلية الغربية.

في تلك المرحلة، غلي الشارع العراقي بالأفكار القومية واليسارية، فانضم عزيز إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1954، مغيراً اسمه من ميخائيل إلى "طارق عزيز" ليكون اسماً عروبياً عابراً للطوائف، ومبتدئاً مسيرة حزبية طويلة ربطت مصيره بمصير العراق.

صاحب الجلالة "الحبر": من الصحافة إلى التوجيه القومي

قبل الاستوزار، كان طارق عزيز رجلاً من رجال الصحافة والكلمة. بدأ مسيرته المهنية كمحرر وصحفي، وتولى رئاسة تحرير جريدة "الجماهير" عام 1963، ثم ترأس تحرير جريدة "الثورة"، الناطقة باسم حزب البعث، بعد قيام ثورة 17-30 تموز 1968.

كان قلم عزيز حاداً ورؤيته الإعلامية واضحة، مما جعله مقرباً جداً من القيادة السياسية، وتحديداً من صدام حسين (الذي كان حينها نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة). في عام 1974، عُين عزيز وزيراً للإعلام والتوجيه القومي، لتشهد الثقافة والإعلام في العراق تحت إدارته نهضة كبيرة في الرقمنة والترجمة وطباعة الكتب الثقافية.

مهندس الدبلوماسية ورجل المهمات الصعبة

دخل طارق عزيز المعترك الدبلوماسي الفعلي بتعيينه نائباً لرئيس الوزراء عام 1979، ثم وزيراً للخارجية عام 1983 في ذروة الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988).

في هذه المرحلة، تجلت عبقرية عزيز الدبلوماسية في قدرته على حشد التأمل الدولي لصالح العراق وموازنة العلاقات بين الشرق والغرب:

العلاقات مع واشنطن: نجح عزيز في إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع الولايات المتحدة عام 1984، والتقى بالرئيس الأمريكي رونالد ريجان.

التوازن الدولي: تمكن برصانته وهدوئه من كسب تأييد الاتحاد السوفيتي وفرنسا في آن واحد لتأمين غطاء سياسي وتسليحي للعراق خلال الحرب.

مؤتمر جنيف 1991: الصدام الكاريزمي الشهير

بعد أحداث دخول الكويت عام 1990، تصدر طارق عزيز المشهد الدولي كأبرز المدافعين عن الموقف العراقي. وفي 9 كانون الثاني/يناير 1991، احتضنت مدينة جنيف السويسرية لقاءً تاريخياً جمع عزيز بوزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في محاولة أخيرة لمنع الحرب.

امتد الاجتماع لعدة ساعات، وأظهر فيه عزيز صلابة نادرة؛ حيث رفض استلام رسالة التهديد الموجهة من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى الرئيس صدام حسين، معتبراً أن لغتها لا تليق بمخاطبة رؤساء الدول وتفتقر للعرف الدبلوماسي. هذا الموقف رسّخ صورة عزيز كرمز للأنفة السياسية العراقية.

عقد الحصار والمواجهة مع لجان التفتيش

طوال تسعينيات القرن الماضي، قاد طارق عزيز الدبلوماسية العراقية عبر حقل من الألغام تمثل في عقوبات اقتصادية خانقة (الحصار) ومواجهات مستمرة مع لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة (مثل الأونسكوم).

تنقل عزيز بين عواصم العالم، من نيويورك إلى موسكو والفاتيكان، وكان يقارع نظراءه الغربيين بالحجة والقانون الدولي، مستخدماً لغته الإنجليزية الرصينة لدحض المبررات الأمريكية لضرب العراق، ومحاولاً بشتى الطرق الدبلوماسية تفكيك الطوق المضروب حول بغداد.

السقوط، الوفاء، والنهاية الشامخة

عشية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قاد عزيز آخر معاركه الدبلوماسية، حيث زار الفاتيكان والتقى بالبابا يوحنا بولس الثاني في محاولة لحشد رأي عام مسيحي وعالمي ضد الحرب.

بعد سقوط بغداد في نيسان 2003، أدرجت القوات الأمريكية اسم طارق عزيز على قائمة المطلوبين الشهيرة (رقم 43 في ورق اللعب الأمريكي). وفي 24 نيسان 2003، سلّم عزيز نفسه للقوات الأمريكية بعد تأمين عائلته.

داخل المعتقل، واجه طارق عزيز سلسلة من المحاكمات السياسية من قبل المحكمة الجنائية العراقية العليا. ورغم الضغوط الرهيبة والإغراءات بتقديم شهادات تدين رفاقه أو الرئيس صدام حسين مقابل الإفراج عنه، رفض عزيز الخيانة تماماً، وظل وفياً لمبادئه وللقيادة التي عمل معها طوال حياته، قائلاً في إحدى شهاداته الشهيرة أمام المحكمة: "أنا دافعت عن العراق، وكنت وزيراً لخارجية دولة سيادية، ولم أكن يوماً مجرماً".

تدهورت حالته الصحية بشكل كبير نتيجة السجن والتقدم في السن، وفي 5 حزيران/يونيو 2015، ترجل فارس الدبلوماسية العراقية عن صهوة الحياة إثر نوبة قلبية في أحد مستشفيات الناصرية، ونُقل جثمانه لاحقاً ليُدفن في مدينة مادبا في الأردن، تاركاً وراءه إرثاً مذهلاً من الثبات والصلابة السياسية.

المراجع والملخصات المقترحة للتوسع:

بيكر، جيمس (1995). دبلوماسية الحرب والسلام: مذكرات وزير خارجية أمريكا (The Politics of Diplomacy). (تتضمن تفاصيل دقيقة عن لقاء جنيف 1991 مع طارق عزيز).

عزيز، طارق (مجموع المقابلات والخطابات الرسمية). أرشيف وزارة الخارجية العراقية (1983 - 2003).

السامرائي، حامد (2008). الملف العراقي: شهادات ومحاضر

Wednesday, 3 June 2026

السيادة فوق الثروة: معركة تأميم النفط العراقي (1972)/ بقلم نادية الصمادي

  السيادة فوق الثروة: معركة تأميم النفط العراقي (1972)

نادية الصمادي

قراءة وثائقية في الفلسفة السياسية والاقتصادية لعهد القيادة التاريخية

مقدمة: "نفط العرب للعرب" من الشعار إلى التطبيق

لم يكن قرار تأميم النفط في العراق مجرد إجراء اقتصادي أو رغبة في زيادة العوائد المالية، بل كان تجسيداً حياً لـ فلسفة السيادة الوطنية الكاملة. فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلت شركة النفط العراقية (IPC) — وهي كونسورتيوم (اتحاد شرائك) يضم احتكارات بريطانية، فرنسية، أمريكية، وهولندية — تتصرف كدولة داخل الدولة، تفرض شروطها وتتحكم بإنتاج النفط وأسعاره كأداة للضغط السياسي والاقتصادي لإخضاع الإرادة العراقية.

في ظل القيادة التاريخية لـ الرئيس القائد الأب أحمد حسن البكر (رحمه الله) ومهندس الاستراتيجية التنموية والسياسية الشهيد القائد صدام حسين (رحمه الله)، تحولت معركة النفط من صراع تقني خلف الكواليس إلى مواجهة علنية ومصيرية كُسرت فيها قيود الاحتكار الأجنبي إلى الأبد.

السيرورة التاريخية لمعركة التأميم (التسلسل الزمني والوثائقي)

جاء قرار الأول من حزيران 1972 كذروة لسلسلة من الخطوات الاستراتيجية والتشريعية الدقيقة التي قادتها القيادة باقتدار عالي:

1. الإرث والتمهيد: القانون رقم (80) لسنة 1961رغم أن هذا القانون الذي أصدره الزعيم عبد الكريم قاسم قد انتزع $99.5\%$ من الأراضي غير المستثمرة من أيدي الشركات الاحتكارية، إلا أن الشركات ردت بـ "حرب إنتاج باردة"، حيث عمدت إلى خفض الإنتاج في الحقول المستثمرة (مثل حقول كركوك) وتقليص العائدات المالية للعراق لإنهاك الدولة اقتصادياً.

2. تموز 1968 - 1970: استراتيجية المواجهة المباشرةعند تسلم القيادة السياسية للمسؤولية، أدركت أن التحرر السياسي لا قيمة له دون تحرر اقتصادي. تمثلت الاستراتيجية في محورين:المحور الأول: البدء بالإنتاج الوطني المباشر عبر "شركة النفط الوطنية العراقية (INOC)" وتطوير حقل الرميلة الشمالي بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا (اتفاقيات 1969).المحور الثاني: إحكام الرقابة القانونية والمالية على شركة النفط العراقية (IPC) ومطالبتها بدفع التعويضات والفروقات المالية المستحقة للعراق عن سنوات الإجحاف السابقة.

3. أيار 1972: الإنذار الأخير والمهلة التاريخية

في منتصف عام 1972، وصلت المفاوضات مع الشركات الاحتكارية إلى طريق مسدود بعد أن أمعنت الشركات في خفض إنتاج نفط كركوك من 45 مليون طن إلى 30 مليون طن سنوياً للضغط على بغداد.

هنا، تدخّل المهندس الحقيقي لملف التأميم، الشهيد القائد صدام حسين (الذي كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك ورئيس لجنة شؤون النفط والمتابعة)، ووجه إنذاراً نهائياً وحاسماً للشركات في 17 أيار 1972، أمهلها فيه أسبوعين للاستجابة للمطالب العراقية العادلة، أو مواجهة القرار الحتمي.

4. الأول من حزيران 1972: يوم السيادة الخالد

مع انتهاء المهلة دون خضوع الشركات، ألقى الرئيس الأب أحمد حسن البكر بياناً تاريخياً عبر الإذاعة والتلفزيون أعلن فيه إصدار القانون رقم (69) لسنة 1972، والذي نصّ صراحة في مادته الأولى على:

"تؤمم عمليات شركة النفط العراقية المحدودة في مناطق الامتياز الممنوحة لها بموجب القانون رقم 137 لسنة 1927 وتؤول إلى الدولة جميع الحقوق والموجودات والمنشآت العائدة للشركة المذكورة".

بموجب هذا القانون، أُسست "شركة عمليات النفط العراقية" (I.C.O.O) لإدارة الحقول المؤممة بكوادر وعقول هندسية وفنية عراقية خالصة، في خطوة فاجأت الدوائر الغربية التي كانت تراهن على فشل العراقيين في إدارة المنشآت تكنولوجياً.

الدبلوماسية النفطية والوثائق الدولية: كيف أُديرت الأزمة؟لم يكن التأميم مجرد شعار حماسي، بل خاضت القيادة معركة دبلوماسية وقانونية دولية معقدة لمنع حصار النفط العراقي في الأسواق العالمية:الاتفاقية العراقية السوفيتية (نيسان 1972): وفرت غطاءً سياسياً واقتصادياً هائلاً للعراق، وضمنت منافذ بديلة لتصريف النفط وتأمين الدعم الفني والتقني.الاتفاق مع فرنسا (حزيران 1972): في خطوة عبقرية لشق صف الاحتكارات الغربية، سافر السيد النائب صدام حسين إلى باريس، وأبرم اتفاقاً استراتيجياً مع الحكومة الفرنسية لاستمرار تدفق النفط العراقي لشركة "CFP" الفرنسية (التي كانت تملك $23.75\%$ من شركة IPC) وفق الشروط العراقية الجديدة، مما حيّد الموقف الفرنسي تماماً وأضعف جبهة الاحتكار الأنجلو-أمريكي.الدعم العربي (مؤتمر وزراء النفط العرب في بيروت - حزيران 1972): نجح العراق في انتزاع موقف عربي مساند، حيث قدمت دول مثل الكويت وليبيا قروضاً مالية لدعم الميزانية العراقية لامتصاص الصدمة المالية الأولى للحصار النفطي.

وثيقة الإقرار والاعتراف الدولي (آذار 1973)

بعد أشهر من الصمود العراقي الأسطوري، وتحت وطأة الحاجة العالمية للنفط وفشل الحصار، أُجبرت الشركات الاحتكارية على الاستسلام والاعتراف بالأمر الواقع. وفي 1 آذار 1973، جرى توقيع الاتفاقية المشتركة بين الحكومة العراقية ومجموعة الشركات، والتي عُرفت تاريخياً بـ "اتفاقية الإذعان للاحتكارات"، ونصت على:

اعتراف الشركات الكامل وغير المشروط بقرار التأميم والقانون رقم (69).

تدفع الشركات للعراق مبلغ 141 مليون جنيه إسترليني تصفيةً لجميع الديون والمطالبات العراقية السابقة.

يتعهد العراق بتسليم الشركات 15 مليون طن من نفط خام كركوك من موانئ البحر المتوسط كتعويض نهائي عن موجوداتها المؤممة.

الأثر الاستراتيجي والتنموي: بناء العراق الحديث

كان التأميم هو الرافعة المالية والسياسية التي نقلت العراق إلى مصاف الدول القيادية في المنطقة والعالم. وبفضل الإدارة الصارمة والرؤية التنموية الشاملة للشهيد القائد صدام حسين عبر "مجلس التخطيط"، تحولت عوائد النفط مباشرة إلى:

انفجار تنموي شامل: تمويل خطط التنمية الانفجارية (1974 - 1979) وبناء البنية التحتية لشبكات الطرق، المطارات، السدود، والموانئ.

الثورة التعليمية والصحية: مجانية التعليم الكاملة من الروضة حتى الدراسات العليا، وإطلاق الحملة الوطنية الكبرى لمحو الأمية (التي نال العراق عليها جائزة اليونسكو)، وتأسيس نظام صحي مجاني متطور.

الصناعة والزراعة: بناء المجمعات الصناعية الكبرى (الحديد والصلب، البتروكيماويات) وتحديث القطاع الزراعي برمته.

الاستقلال السياسي: تحول القرار السياسي العراقي إلى قرار سيادي مطلق لا يخضع لإملاءات القوى الشرقية أو الغربية.

ستظل ملحمة تأميم النفط العراقي عام 1972، والتي قادها الرئيس الأب أحمد حسن البكر والشهيد القائد صدام حسين، درساً كلاسيكياً في العلوم السياسية والاقتصاد الدولي يثبت أن الثروة الوطنية لا قيمة لها دون إرادة سياسية شجاعة وعقول تخطط للمستقبل. لقد أعاد التأميم للإنّسان العراقي كرامته، وأثبت للعالم أجمع أن الشعوب قادرة على إدارة مقدراتها وصنع فجرها الجديد بأيدي أبنائها.

الملحق الوثائقي والمراجع المعتمدة

أولاً: الوثائق والتشريعات الرسمية (الجمهورية العراقية)

جريدة الوقائع العراقية (الجريدة الرسمية للدولة):

القانون رقم (80) لسنة 1961 (قانون تحديد مناطق الامتياز لشركات النفط)، العدد الصادر في كانون الأول 1961.

القانون رقم (69) لسنة 1972 (قانون تأميم عمليات شركة النفط العراقية المحدودة $IPC$)، العدد 2151 الصادر في 1 حزيران 1972.القانون رقم (28) لسنة 1973 (المصادقة على اتفاقية التسوية النهائية بين الحكومة العراقية ومجموعة الشركات الاحتكارية)، آذار 1973.

وزارة الإعلام العراقية (1972): "بيان تأميم النفط"، النص الكامل للخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس الأب أحمد حسن البكر في 1 حزيران 1972، مديرية الصحافة والنشر، بغداد.

وزارة التخطيط العراقية: تقرير مجلس التخطيط حول خطط التنمية الانفجارية (1974 - 1979)، الدائرة الاقتصادية، بغداد.

ثانياً: المذكرات السياسية وشهادات صناع القرار

صدام حسين (الشهيد القائد):

حديث التأميم والمواجهة الاقتصادية، مجموعة خطب وتقارير صادرة عن دار الحرية للطباعة، بغداد، 1972.

طريقنا خاص في بناء الاشتراكية، المكتب الثقافي لحزب البعث العربي الاشتراكي، بغداد، 1974.

د. سعدون حمادي (وزير النفط العراقي الأسبق):

آراء في النفط والتنمية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1978.

د. فخري قدوري (رئيس المكتب الاقتصادي لمجلس قيادة الثورة الأسبق):

هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة نصف قرن من النضال والعمل والمسؤولية، دار الحكمة، لندن، 2006.

ثالثاً: المراجع الأكاديمية والدراسات الاقتصادية والسياسية

د. محمد سلمان حسن: التحدي النفطي والتنمية في العراق (1950 - 1975)، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1977.

د. وليد خدوري: النفط والسياسة الدولية: دراسة في تجربة التأميم العراقي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1980.

المركز العربي للدراسات الاستراتيجية: معركة تأميم النفط في العراق: دراسة وثائقية في الاقتصاد السياسي للتحرر، دمشق، 1999.

د. عبد الوهاب حميد رشيد: الاقتصاد العراقي: التطور والآفاق الاستراتيجية، دار المدى، دمشق، 2002.

رابعاً: المراجع الأجنبية والأرشيف الدولي (International References)

Penrose, Edith & Penrose, E. F. (1978): Iraq: International Relations and National Development, Westview Press.

The Iraq Petroleum Company (IPC) Archives (1973): The Settlement Agreement and the Nationalization of Kirkuk Fields, Minutes of Meetings, London.

سيبقى العراق، كما كان دائماً، منارة المجد التي لا تنطفئ، وسيفاً مسلولاً في وجه الانكسار، يروي للتاريخ فصولاً من الصمود، ويؤكد مع كل فجر جديد أن العروبة فيه نابضة، حية، وعصية على النسيان.

Tuesday, 2 June 2026

نشرة انتفاضة شباب تشرين العدد ٥٤ حزيران ٢٠٢٦

  نشرة انتفاضة شباب تشرين

العدد ٥٤

حزيران ٢٠٢٦

للاطلاع والتصفح  ،اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 

https://online.anyflip.com/rnvg/tquo/mobile/index.html













مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

  مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم هاتف الثلج قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل...