Monday, 26 February 2024

بغداد - هل هي مدينة على حافة الفشل ؟بقلم / احسان فتحي

 بغداد - هل هي مدينة على حافة الفشل ؟

احسان فتحي

 بغداد،  مدينة اسمها رنان ومدو عربيا وعالميا... وتعتبر بكل المقاييس والمعاييرالتخطيطية المعتمدة،...عملاقة وجميلة بدجلتها وتاريخها الثري الحافل... لكن دعونا نعترف بانها لم تعد كذلك... بغداد قد ترهلت وانتفخت وترامت اطرافها وتريفت، وفقدت اعز ماتملك...هويتها!   طبعا بالنسبة للزائر والسائح الغريب فهي تبدو حية وحيوية الان... كلها دكاكين ومحلات فاخرة للمساج، ومولات ومطاعم لا تعد ولا تحصى... سمك مسقوف وباجة وتشريب وبامية ودولمة ويابسة وتمن... الافطار كاهي وكيمر ودبس... هذه هي "منيو" بغداد... اكتظاظ في كل مكان...ناس رايحة وناس جاية...الى أين؟   فوضى سريالية... بحر من السيارات... مركبات (التك توك) منتشرة كالذباب...وهي الواسطة غير الرسمية للنقل السريع...سرعتها تضاهي مونوريل دبي... مدينة "الزرق ورق" حسب امينها السابق (نعيم عبعوب 2012- 2015  ).

  محلاتها القديمة مهملة عمدا، ومتهالكة ومحكوم عليها بالفناء من قبل حكام لا ينتمون اليها ولا يفهموها... بيوتها التراثية تشير بخجل الى مجدها الغابر... شناشيلها المذهلة بصنعتها الراقية متهاوية وتتساقط يوميا كاوراق الخريف... اين انتم يا أسطوات بغداد الراقدون؟  أين انت يا اسطة حمودي العزاوي ويا أسطة فليفل؟

غابات مخيفة من ملايين الاسلاك الكهربائية المتدلية والمتشابكة تزين دروبها وتمثل الاسلوب الوحشي لايصال الطاقة الى البيوت من مولدات محلية تجارية باسعار ظالمة ...وتسمع البغداديين باستمرار...جاءت "الوطنية"... انقطعت "الوطنية"...وبقصد بها "الكهرباء الوطنية"... ولايزال العراقيون يتذكرون كيف وعدهم الوزير حسين الشهرستاني بحل مشكلة الكهرباء، بل أكد ان العراق سيصدرهذه الطاقة الى دول الجوار بحلول عام 2013!  ولا تزال "دول الجوار" المسكينة هذه تنتظر وتشعر بالاحباط... اما الازبال والنفايات فهي متوطنة ومقبولة كجزء لا يتجزء من جمالية أزقتها وشوارعها... لكن الحقيقة الخفية هي ان هذه المدينة الفاتنة والفاتكة بتبغددها التاريخي ...اضحت تعاني من امراض الشيخوخة...هي اشبه بالعجوز الشمطاء التي لاتزال تشعر بانها جميلة كما كانت قبل دهر من الزمن ...خلابة وسكسية لاتقاوم... فهي تأن حاليا من أزمات حضرية اساسية خانقة مما يقرب تصنيفها بالمدينة الكبيرة الفاشلة  (Failed Mega City).  والسبب هو الاخفاق الواضح، وشبه الدائم، لاداراتها المتلاحقة في تحقيق ابسط معايير العيش الكريم والمريح لساكنيها المقهورين ... فهم الان مغلوبون على امرهم ... لكنهم مواطنون نشطون ويتكاثرون بسرعة...  يقدرعددهم بين 8 الى 10 مليون نسمة حاليا، ومن المتوقع ان يصل الى حوالي 13-15 مليون ساكن في عام 2035 (العراق سيصل الى حوالي 66 مليون نسمة) . 

وتعتبر بغداد ثاني اكبر مدينة عربية، بعد القاهرة، حيث تبلغ مساحتها حوالي 2000 كيلومتر مربع (القاهرة تصل الى 21 مليون نسمة صباحا ومساحتها 3000 كم مربع)، واسعارالاراضي في بعض مناطقها تعتبرالاغلى في العالم العربي.

  تعود اسباب هذه الازمات المزمنة الى عوامل متعددة ومتشابكة اهمها سياسية لكنها متداخلة ايضا مع اسباب عديدة اخرى منها ادارية واقتصادية واجتماعية وبيئية وتخطيطية. ومن بين ابرزاسباب ومظاهر مشاكلها وأزماتها الحضرية الحالية الخانقة هي:

·غياب وجود رؤية حضرية استراتيجية وخطة منهجية واضحة ومدعمة قانونيا لمستقبل العاصمة والاقليم المحيط بها (اي مخطط لبغداد الكبرى 2050 والمدن الجديدة والتوابع لها، وتحقيق استقلاليتها الكاملة عن المحافظة).

·اخفاق امانة بغداد حتى الان في اعادة هيكلة جهازها الاداري، والقضاء على الفساد المتجذر فيه، وتطوير كادرها الفني بما يتلائم مع المستجدات التقنية وقاعدتها المعلوماتية والارتقاء به الى مستويات ادائية عالية.

· عدم استقلالية موقع الامين بسبب تعيينه سياسيا وخضوعه بالضرورة الى تدخلات تفصيلية وضغوطات من قبل الاحزاب السياسية والميليشات وغيرها من الكتل السياسية، ولانه غير منتخب، ولا مجلسه منتخب، فيبقى موقعه  ضعيفا وصوريا.

· الاهمال الواضح لمراكزها التاريخية الاربعة، وغياب وجود خطة فاعلة للحفاظ عليها، والاكتفاء بالتفرج على التاكل التدريجي السريع والخطير لتراث المدينة وهويتها، وتجد الكل يبكي، او يتباكى، عليه دون جدوى.

· ازمة النمو السكاني والكثافة السكانية المتزايدة (مع استمرارالهجرة الريفية)، وغياب خطة حقيقية جادة لبناء مدن جديدة محيطة في مناطق مثل (بني سعد، الثرثار، الحبانية، المحمودية، الصويرة، الزبيدية، الراشدية...).

· ازمة السكن والازدياد غير المنضبط في الكثافة الاسكانية ( 6 اضعاف على الاقل عن عام 2000 )، وتسارع العجز في الرصيد السكني، وبدأ انتشار وحدات سكنية عديدة جدا بمساحات تتراوح بين 50-100 متر مربع للعائلة الواحدة! (واحدة من اخطر المشاكل الانسانية في المدينة وستكون لها تبعات اجتماعية خطيرة قريبا).

· الانفلات في ضبط المناطق العشوائية والتجاوزات على استعمالات الارض (ضعف السيطرة العمرانية).

· الاختناقات المرورية في شبكات النقل (غياب: شبكة طرق متكاملة مع نظام قطارات سريعة (مترو) تحت الارض او فوقها (مونوريل) - النهوض في انظمة النقل العام ضرورة قصوى وأولية أولى).

·  عدم الاستغلال الكافي لنهر دجلة كواسطة اساسية للنقل والسياحة، واهمال ضفتيه كمسارات ترفيهية واجتماعية، بل على العكس من ذلك، فالعديد من مساراته تستعمل الان كمواقف للسيارات و مكب للنفايات والملوثات. 

· الاخفاق المزمن في توفيرالطاقة الكهربائية اللازمة للعيش الحضاري والانتاج الاقتصادي، والاعتماد على توليد الكهرباء من عصابات القطاع الخاص المستفيدة من هذه الازمة، والتشويه البصري الهائل، وغير المقبول، الذي تسببه غابات من الاسلاك المتشابكة الموصلة والتي تذكرني بالوضع العراقي الراهن. انه اكبر تشويه بصري لاي عاصمة في العالم!

·ألاخفاق شبه الدائم في توفيرالكم اللازم من الخدمات الحضرية (صحية، تعليمية، ثقافية، ترفيهية، الامن العام، الخ) والبنية التحتية المختلفة ( الماء، الكهرباء، شبكات الانترنت، الصرف الصحي، الخ) وتخلفها المزمن مع الزيادة السكانية.


· التاكل المتواصل للمناطق الخضراء داخل الاحياء السكنية وتجريف أغلب بساتين المدينة لاغراض الاستثمار التجاري الجشع، والتجاوزالرسمي وغير الرسمي على مايسمى ب" الحزام الاخضر".


·التلوث العام للبيئة الحضرية في مركزالمدينة وتواجد العديد من الاستعمالات غير الملائمة فيه كالمناطق الصناعية (كمنطقة الشيخ عمر) واسواق الجملة، والورش الصناعية الملوثة والمنتشرة داخل المدينة.

ما العمل ازاء كل هذه الازمات الحضرية التي تعاني منها بغداد؟

بالتاكيد هي، والعراق كله، بحاجة ماسة لعملية اصلاح جذرية ومراجعة سياسية صادقة لمعالجة هذه المشاكل الخطيرة...فالعمليات التجميلية تبقى ترقيعية وسطحية لا تجدي ولا تشفي الغليل...وتجربة النظام السياسي وما يتمتع به من فساد متجذر... تشير الى ان هذا الهدف سيبقى بعيد المنال في المنظور القريب!

ستستمر بغداد في شيخوختها وتتدهور...وتراثها سيندثر... ولن تنفعها حقنات "البوتكس" الحضرية!

ا.د. احسان فتحي

معماري ومخطط مدن- دكتوراه حفاظ (المملكة المتحدة)

Sunday, 18 February 2024

احتكار المقاومة حكاما ومقولات. بقلم / عوني القلمجي

 احتكار المقاومة حكاما ومقولات

بقلم / عوني القلمجي

لم يعد هناك أدني شك بان حكام الردة العرب، قد تخلوا نهائيا عن المقاومة الفلسطينية في غزة خاصة، والقضية الفلسطينية عامة. بل تخلوا حتى عن المتاجرة بفلسطين، كقضية مركزية للامة العربية. فهم لم يكتفوا بالوقوف متفرجين على قوات الاحتلال وهي تدمر غزة، وترتكب جريمة الإبادة الجماعية بحق اهلها، وانما حملوا المقاومة، وتحديدا حركة حماس المسؤولية. في حين حملت شعوب العالم كافة، الكيان الصهيوني المسؤولية كاملة وطالبت بمحاكمته، عبر مظاهرات مليونيه غير مسبوقة في تاريخ الشعوب. الامر الذي دعا محكمة العدل الدولية، للاستجابة لمطلب جنوب افريقيا بمحاكمة الكيان، وأصدرت حكما ضده قبل عدة أسابيع، بصرف النظر عن الغموض الذي أحاط بالحكم.

اما اتباع حكام الردة ومرتزقتهم، فقد واجهوا صعوبات بالغة في الدفاع عن اسيادهم. خاصة وان كل ما فعلوه لستر عورتهم، الادلاء بتصريحات بائسة، واحتجاجات خجولة، مذيلة بعبارات معيبة، تحمل حركة حماس المسؤولية. لينتهوا الى عقد اجتماع "قمة عربي" في السعودية، بمشاركة دول اسلامية، وإصدار بيان اقتصر على الاستنكار، ومطالبة حكومة الكيان بإدخال المساعدات الى غزة. في حين يعتبر هذا البيان تافها قياسا بموقف بعض الدول في أمريكا اللاتينية، التي قطعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وأخرى طردت سفيره او قاطعت بضائعه، او منعت عنه تصدير الأسلحة والعتاد.

الجهة الوحيدة التي لم تلتفت الى حكام الردة، ولم تطلب العون منهم، هي المقاومة الفلسطينية في غزة. بل على العكس من ذلك، فقد تولدت لدى المقاومة قناعة راسخة، بان تخلي حكام الردة عن القضية الفلسطينية، واقتصار مواقفهم على التباكي على فلسطين، منحها القوة والثبات على خط المقاومة المسلحة. حيث تخلصت من تحكم هؤلاء الحكام بحركة المقاومة، والتدخل في شؤونها، والحد من استقلالية قراراتها، ووضع العقبات في طريق نشاطاتها وكفاحها، وصولا الى قطع المساعدات عنها، او معاقبتها إذا لم تمتثل لإرادتهم، واجبارها على التخلي عن السلاح، والدخول في مساومات مذلة.

هذه القناعة التي تولدت لدى المقاومة، لم تأت من فراغ، وانما من خلال قراءة تاريخية لمجرى الصراع، بين الشعب الفلسطيني والمحتل الصهيوني. فالوقائع على الأرض تشير، الى ان أحد اهم مقومات الانتصارات التي حققتها المقاومة، ابتعاد قيادتها عن الحكام العرب، وتجاهل ضغوطهم، ورفض مشاريعهم الاستسلامية، سواء كان الحاكم وطنيا او عميلا. في حين ارتبطت الانكسارات التي تعرضت لها المقاومة بغياب القرار المستقل، والقبول بسياسة الحكام الهزيلة والاستسلام لمشيئة الأجنبي وارادته.

لقد كان قدر المقاومة الفلسطينية، القتال من خارج الوطن لطرد المحتل، على خلاف المتعارف عليه. فالمقاومة لدى كل الشعوب، تقاتل الاحتلال داخل بلدانها، بصرف النظر عن النصر او الهزيمة. مع ملاحظة ان المحتل هنا لم يلجا الى تهجير الشعب خارج ارضه، وانما يعمل على ترويضه او قمعه من جهة، وتشجيعه على القبول بالأمر الواقع من جهة اخرى. في حين جرى تهجير الشعب الفلسطيني خارج ارضه، لتتشكل المقاومة في بلدان اللجوء اضطرارا، وخاصة من الدول المجاورة لفلسطين، مثل الأردن ومصر وسوريا ولبنان. الامر الذي اجبرها على الخضوع لهذه الدول، او القبول بالتدخل في قراراتها ونشاطاتها السلمية او المسلحة. وإذا حاولت التمرد واجهت مصيرا اسود، كما حدث في الأردن. حيث عاقب حاكم الأردن، الملك حسين، فصائل المقاومة، بشنه حربا بكل الأسلحة، ليرتكب جيشه مجزرة شنيعة بحق المقاومين، واضطرها للخروج من الأردن في سنة 1970، او ما يعرف اليوم بأيلول الأسود. ليتكرر نفس السيناريو في لبنان وإخراج فصائل المقاومة منه، بعد اجتياحه من قبل الجيش الصهيوني، لتحل المقاومة ضيفا على الحكومة التونسية.

لقد أدى هذا الوضع الفريد من نوعه، الى تراجع المقاومة واضطرارها، في نهاية المطاف، الى عقد اتفاق أوسلو المهين، بعد ان عقدت دول الجوار، خاصة تلك التي يتواجد فيها المقاومون الفلسطينيون، اتفاقات مذلة مع الكيان الصهيوني، مثل اتفاقية كامب ديفيد بالنسبة لمصر، واتفاقية وادي عربة بالنسبة للأردن. ولم تخرج المقاومة من حالة التردي والتراجع، والعودة للكفاح المسلح والتمسك بالبندقية، ورفض كل الاتفاقات المذلة مع الكيان الصهيوني. الا بعد استقلال عدد من فصائل المقاومة سنة 2007، وفي المقدمة منها حركة حماس، واتخاذ مدينة غزة البطلة قاعدة لها. لتتخلص نهائيا من هيمنة حكام الردة وقيود الوصاية عليها، وتخطي وهم نصرتها من قبل الجيوش العربية، لتخوض معركة التحرير منفردة، والتي توجتها بمعركة طوفان الأقصى ضد الجيش الذي لا يقهر، وإلحاق الهزيمة به، باعتراف جميع الخبراء العسكريين في مختلف بلدان العالم. ففي الوقت الذي هزم فيه هذا الجيش الصهيوني، دولا عربية كبيرة في أيام معدودات، وبأسلحة اقل تطورا بما لا يقاس بأسلحة الكيان المستخدمة لتركيع غزة، يعجز اليوم عن هزيمة حركة المقاومة وفرض السيطرة على المدينة، على الرغم من مرور أكثر من أربعة شهور، وربما ستطول سنين عديدة. وهنا يمكن القول بثقة تامة، ان قوة المقاومة الفلسطينية في غزة، تكمن بأبعاد هؤلاء الحكام عن التدخل بشؤونها، والاعتماد على الشعب الفلسطيني وتأييده لها، واستعداده للتضحية من اجل تحرير فلسطين.

لقد تحقق للمقاومة في غزة، من القوة والمنعة والاستقلال وحرية القرار وتحديد الزمان والمكان لعملياتها المسلحة ضد الاحتلال، ما لم تحققه المقاومة الفلسطينية طيلة تاريخها. وأضافت في الوقت نفسه، تجربة عملية كسرت القيود، التي تحد من حركتها وتجبرها على التخلي عن الكفاح المسلح. حيث الغت من حساباتها الشروط، التي ينبغي توفرها للمقاومة في أي بلد، كضمان لتحقيق الانتصار. مثل توفر الظروف الذاتية والموضوعية، او ضمان التأييد المسبق من دول العالم الحر، وكسب عطف الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة. فقد خاضت المقاومة في غزة معارك شرسة ضد جيش الكيان الصهيوني بمفرها، وتمكنت من تحقيق انتصارات مذهلة، وجردت جيش العدو، الذي هزم جيوشا عربية في أيام معدودات، من القدرة على الحاق الهزيمة بالمقاومة في غزة، على الرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر، ومازالت المعركة مفتوحة. الامر الذي رفع من معنويات الفلسطينيين، وشجعهم على مواصلة الكفاح، ورفض المساومة على الحقوق، ووهم الوصول الى حلول عبر الحوار، مع كيان غاصب أفرط في اجرامه، فقطع الطريق عليه أجدى من الانتظار، وتلقي الصفعات كما يشتهي العدو، ويذعن له حكام الردة، والمرتزقة الواقفون ذلا بأبوابهم.

لا بديل عن المقاومة في حالة احتلال، يهدف الى اقتلاع شعب من ارضه، بدهية غير قابلة لنهشها، بوجهة نظر جاهل او حاقد. والمقاومة في تعريفها البسيط، مبادرة خلاقة تتمثل في ان تسبق المحتل على الدوام، خطوة في طريق الصراع ليتكبد خسائر لا يحتملها، مما يرغمه على رفع راية الهزيمة. وكل ما عدا ذلك، التفاف على حقوق الشعوب، واطالة لأمد الاحتلال، وما طوفان الأقصى الا استجابة واعية لهذه البدهية، ونزعة الانسان الاصيلة في ان يكون حرا. وهذا ما يتأسس اليوم فلسطينيا، ويجعل مهمة التحرير غير قابلة للتأجيل تحت أي ذريعة كانت. اما من يعتقد بان وجهة النظر المتعلقة بالاتفاقيات المذلة، التي تخلت عنها المقاومة ملزمة في كل الظروف، فقد اثبتت معركة الطوفان جمودها، وتعطيل ديناميكية التعامل مع كل مرحلة من مراحل المقاومة ضد المحتل، واجبارها على الدخول في حالة انتظار دائم لحلول سلمية لن تتحقق ابدا.

ولتوضيح ما تقدم لأهميته، فان الظروف الذاتية والموضوعية، التي يعتبر توفرها شروطا للانتصار، لم تثبت صلاحيتها في أحيان كثيرة. وليس ادل على ذلك، تجربة المقاومة الفلسطينية بالذات. حيث توفر كلا الشرطين بدرجة أكبر مما توفر لعدد غير قليل من المقاومة في بلدان أخرى. ففيما يخص الظروف الذاتية فقد توفرت للمقاومة الفلسطينية على أكمل وجه. حيث تجمعت كل الفصائل المقاومة، من يسارها الى يمنيها، من العلمانيين والإسلاميين، من المنفتحين والمتشددين، من جميع الأديان والمذاهب، تجمعت تحت راية منظمة التحرير، واتفق الجميع على برنامج سياسي ومسلح، وعلى قيادة مشتركة، سواء اللجنة التنفيذية او المجلس الوطني الفلسطيني، واتفقوا على ياسر عرفات كقائد للثورة. وبالطبع ما تحقق من وحدة فلسطينية لمقاومة المحتل، يعد جوهر الظروف الذاتية وما عداه يمكن توفيره بسهولة.

اما الظروف الموضوعية، فقد توفر لمنظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات، على المال والسلاح والدعم العربي والدولي الى حد ما، والتأييد العالمي للمقاومة الفلسطينية، حيث وصل ياسر عرفات الى منصة الأمم المتحدة، والقى خطابا باسم فلسطين، باعتبار المنظمة التي يقودها ياسر عرفات، قد اكتسبت صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لتتبوأ فلسطين مقعدها في الأمم المتحدة كعضو مراقب. بل وقاتلت مع منظمة التحرير شخصيات وتجمعات ثورية من مختلف انحاء العالم، وامتزجت دماؤها بدماء الفلسطينيين. ومع ذلك لم يتحقق النصر للمقاومة الفلسطينية، بالرغم من توفر هذه الشروط، وانما انتهت الى الاستسلام امام المحتل، والاعتراف به ضمن اتفاقية أوسلو المهينة، والتنازل عن 78% من ارض فلسطين التاريخية للصهاينة، مقابل سلطة فلسطينية هشة على المساحة المتبقية، تدار من قبل الحكومات المتعاقبة في تل ابيب. في حين لم يطبق الكيان هذه الاتفاقية المذلة، التي كان من المفترض تطبيقها في سنة 1999، وانما استثمر اتفاق أوسلو، في مواصلة سياسته تجاه الأراضي الفلسطينية التي احتلها في سنة 1967، وبناء مزيد من المستوطنات عليها، بل ان هذه السلطة، سواء في السر او العلن، لم تستطع اتخاذ أي قرار يهم المواطنين، مهما كان صغيرا، دون الحصول على موافقة الحكومة الصهيونية.


لكن هذا ليس كل شيء، فقد شطبت المقاومة في غزة، قيود أخرى على شكل مقولات، جرى ترويجها والتأكيد عليها، لتصبح قوانين لا غنى عنها لتحقيق الانتصار ضد المحتل. مثل حساب موازين القوى بين المقاومة والمحتل او عدم الدخول في معركة مع المحتل وهو في عز قوته، او تجنب المقاومة ضد المحتل قبل ضمان وقوف الشعب بأكمله خلفها الخ. ليكون البديل إزاحة المقولة النمطية لصالح اجراء استثنائي. حيث شنت المقاومة في غزة منفردة، هجوما كاسحا غير مسبوق ضد المحتل في عقر داره، ومواجهته بسلاح الحق في مقاومة المحتل ومشروعيته، دون النظر في مواصفات المقاوم الذي يقاتل تحت راية الحق، وطنيا كان او قوميا، شيوعيا او بعثيا، ليبراليا او متدينا، إسلاميا او علمانيا، او إذا كان حزبا معينا او جهة محددة، ولا يشترط ان تكون قوة المقاومة مماثلة لقوة المحتل، او قادرة على تجنب الهزيمة، او تحقيق الانتصار. وبعكس ذلك، فان انتظار المقاومة بلوغ مستوى قوة المحتل وتحقيق الشروط الاخرى، يعني ابقاء كل هذه الشعوب تحت نير الاحتلال حتى يوم القيامة. واعتقد جازما بان أصحاب العقول المتخلفة، لن يعثروا في التاريخ البشري كله، على حركة تمكنت، من تحقيق توازن القوة، بينها وبين المحتل، قبل منازلته.

ان المقاومة الفلسطينية، التي تعمل اليوم باستقلالية كاملة، واعتمادا على نفسها، وتأييد الشعب الفلسطيني لها، تحكي بوضوح مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني على مدى أكثر من مئة عام. حيث لم يمنح هذا الشعب الجبار، المحتل البريطاني سابقا والكيان الصهيوني لاحقا، فاصلا زمنيا ليعيش حالة استقرار، وسيواصل الكفاح وصولا الى طرد المحتل، وإقامة دولته المستقلة على كامل التراب الفلسطيني. منشدا من تراثه القريب، "وحدي ووحدي كنت وحدي عندما قاومت وحدي ووحدة الروح الأخيرة".

18/2/2024

المصدر / الكاردينيا 

https://www.algardenia.com/maqalat/62279-2024-02-18-07-29-15.html


Thursday, 15 February 2024

التعليم والتدريس في العراق الى أين؟ / تجمع طلبة الرافدين في المهجر

 التعليم والتدريس في العراق

 الى أين؟ 



فرط السكوت على فرط الأذى سقمُ                        قد يسكتُ الجرح لكن ينطق الألمُ    

     لا ندري ماذا نقول فالألم أحياناً يجعلنا خُرسْ أمام فداحة الوجع، فكلُّ شيءٍ في العراق أصبح من عجائب الدنيا. لمْ نرَ أو نسمع في يوم من أيام عمرنا التي عشناها في كل الأزمنة لا في العراق ولا في أية بقعة في العالم ما يجري ويحدث في عراق اليوم.  لقد بدأ الإسلام بكلمة (( إقرأ )) وهذا دليل واضح على سمو ورقي العلم والتعلّم ، وهكذا عاش العراقيون يحترمون العلم والمعلمين ولم نسمع في يوم مدرسة نقص فيها كادر تدريسي أو تعليمي واستمر النقص شاغراً،  بل يسدّون النقص بأقصى سرعة لكي لا يختل توازن التعليم والتدريس في المدارس، واليوم لا ندري أنضحك أم نبكي ؟؟ على ما يُصرّح به نائب في مجلس النواب والمفروض أن يكون على مستوى علمي أو ثقافي رفيع، ويعرف إن نقص المدرسين معناه تدمير العملية التعليمية وتأخر الطلبة والنتيجة هي تدهور المستوى العلمي وتسرّب الطلبة من المدارس ومن واجبه كنائب أن يسعى هو جاهداً لسد النقص الحاصل لكي تستمر العملية التربوية ولكن هذا النائب عندما سمع بالنقص في أحدى المدارس لمادة الرياضيات والفيزياء، ماذا تعتقدون كانت إجابته ؟؟ ..

يقول للمواطن الذي يشكو النقص: ((عندكم الخِضِر ماذا تفعلون بالمدرسين ؟؟)) كان ردّه هذا صفعة قوية للتعليم والعلم وللعملية التربوية،  فهل هذا جواب منطقي و مسؤول لحل هذه المشكلة ؟

 ألهذا المستوى وصل التعليم في العراق ؟!. إن النقص الحاصل في الكوادر التعليمية والتدريسية ونقص المدارس نسبة إلى أعداد الطلبة أدّى إلى تسرّب رهيب للطلبة والتلاميذ وبالتالي فقد عادت الأمية إلى العراق مُجدّداً. والسبب هو انعدام الجدّية والمصداقية في معالجة المشاكل التي تواجه العملية التربوية والتعليمية في العراق. فماذا يفعل الطالب الذي يذهب إلى مدرسته التي  لا يمكن أن توصف إلّا خَرِبة لنقص كل شيء يساعد الطالب على الراحة في التعلُّم، من نقص الرحلات والمستلزمات الضرورية، فضلاً عن جلوس الطلبة على الأرض، إلى نقص الحمامات، وانعدام النظافة، إلى نقص التدفئة في الشتاء.  وكذلك ماذا يفعل الطلبة الذي يسيرون الكيلومترات حتى يصلوا إلى مدارسهم في البرد والمطر والحر ؟؟ ويتحمّل الطالب كل هذا العناء وإذا به يجد نقصاً في المُدرّسين ؟ فيضطر لترك الدراسة. وبهذا صرنا نُشجّع الأمية وندفع اليها دفعاً، فما هو الحل ؟؟.

الحل أن هو نبني مدارس ومنشآت تربوية حكومية وليست أهلية، والعمل على سد كل نقص من الشواغر سواءً في الكوادر التدريسية أو في الأبنية المدرسية ، وتوفير كل مستلزمات التدريس من الرحلات والقرطاسية والكتب المنهجية والمحافظة على النظافة، ومتابعة الطلبة عن كثب في كل ما يخص شؤون التربية الناجحة. والاهتمام بالأبنية الدراسية يعني كل المؤسسات المعنية ابتداءاً من رياض الأطفال صعوداً إلى الجامعات، وتوفير كل المستلزمات التى يحتاجها الطلبة بكافة مستوياتهم الأولية والجامعية، وكذلك إعداد الكوادر التدريسية بشكل مسبق للاحتياجات وبصورة مستمرة ، ومتابعتهم وتطوير الطرائق التدريسية بما يتناسب والعصر الذي نعيشهُ. 

 لقد كان العراق في مستوى الدول الإسكندنافية والدول المتقدّمة في مجالي التربية والتعليم، والآن أصبحنا في الدرك الأسفل منهُ مع الأسف..

 كلنا مؤمنين والحمد لله، ولكن ما علاقة توفير المتطلبات الاساسية للتعليم بذلك؟؟،  فماذا نقول اذا كان النائب يقايض المدرسين بسيدنا الخِضِر !! هذا بدل أن يسعى هو شخصياً لسد النقص في التخصصات التعليمية ويبذل قصارى جهده ليجعل مدارس منطقته مثالية من كل الجوانب،  فالإهتمام بالتعليم وبالعلم هو احد المؤشرات العالمية التي تدل على رقي الدولة ومجتمعها، ولكن في العراق، وحسب مثل هذا النائب، ماذا يفعلون بالمدرسين وعندهم سيدنا الخضر ؟؟.

هذه العقليات التي تُدير شؤون البلاد فماذا نقول ؟؟

غير لك الله ياعراقنا السليب ! ! !

تجمع طلبة الرافدين في المهجر

14/2/2024






Tuesday, 13 February 2024

الربط الكهربائي مع الأردن و تداعي القدرات / بقلم الاستاذ سحبان فيصل محجوب

  الربط الكهربائي مع الأردن

 و تداعي القدرات

الاستاذ سحبان فيصل محجوب

بعد ما  يزيد على  2000 يوماً مضت منذ تأريخ توقيع اتفاقية الربط الكهربائي بين العراق والمملكة الأردنية الهاشمية جرى الإعلان مؤخرا ًعن  إمكانية البدء بتجهيز الشبكة العراقية بكمية متواضعة من الطاقة الكهربائية وبحدود40 ميغاواط لتغذي مدينة الرطبة العراقية القريبة من الحدود الأردنية والمناطق المحيطة بها  ، هذا المشروع ومن الناحية الفنية و الذي يهدف إلى إيصال التيار الكهربائي الى منطقة محددة في العراق بشرط عزلها عن الشبكة الأم لا يعد مطلقا ًربطا ًكهربائياً بين منظومتين متجاورتين بشروطه التزامنية المعتمدة.

 فشبيه هذا المشروع كانت الملاكات الوطنية العراقية قد نفذته على وفق اتفاقية خاصة مع وزارة الكهرباء السورية منذ اكثر من عشرين عام وبسقف  زمني لم يتجاوز 90 يومأ وذلك بوساطة تغذية مقطع محدد  بعد فصله عن الشبكة العراقية في محطة تل أبو ظاهر الثانوية (132kv) القريبة من الحدود السورية مع العراق حيث جرى في حينها  تجهيز معمل سمنت سنجار والعديد من المناطق المحيطة بالتيار الكهربائي من شبكة الكهرباء السورية وبمعدل لا يتجاوز 50 ميكاواط ، كان ذلك في ظروف استثنائية قاسية حينها فرضتها إجراءات الحصار الاقتصادي ( 1991 - 2003 م )، فأعتمدت الموارد المحلية في التنفيذ دون اي استيرادات خارجية وبجهد فني من قبل العاملين في هيئة الكهرباء العراقية أصحاب المهارة العالية في الاختصاصات المطلوبة للتنفيذ .

تسعون يوما من العمل المتواصل شمل التفاوض والاتفاق والتعاقد وحسم الاجراءات المالية اللازمة ووضع خطة متكاملة للتنفيذ الميداني مع وضع وإقرار الترتيبات الفنية والتشغيلية اللازمة لضمان الإنجاز المطلوب وبتحايل مشروع على العقوبات الدولية المفروضة آنذاك والتي كانت تعرقل اي مشروع جديد من هذا النوع بفعل قواعد الرقابة الصارمة .

عودة إلى الإنجاز الذي تم الإعلان عنه في إتمام متطلبات عملية التجهيز الكهربائي لمدينة الرطبة وما جاورها وعلى الرغم من نتائجه المتواضعة ومع توافر الموارد المالية والمادية اللازمة فإن مدة تنفيذه  قد تجاوزت  2000 يومأ منذ بدء الاتفاق عليه عام 2018م وما تبعه من الاحتفالية الرسمية في وضع حجر الأساس له  والى  يومنا هذا فهي تعادل 20 مرة تقريباً من مدة انجاز الربط المناطقي مع شبكة الكهرباء السورية المنفذ سنة 2001 م دون ترويج إعلامي هائل أو احتفالات  رسمية على مستوى عالي فكان  يعبر بصمت عن التجسيد الحقيقي  للمواقف الوطنية في مواجهة التحديات الناجمة عن قرارات الحصار الظالم بعيدا عن التربص الشرير للأعداء.

توافر مواد

على طاولة التقييم المنصف  لهذين المشروعين وبالاعتماد على عاملي مدة التنفيذ وتوافر الموارد اللازمة بالإضافة إلى ظروف العمل المتاحة   فإن هذا التقييم يشير إلى تراجع القدرات اللازمة لصناعة الإنجاز الوطني 20 مرة عن ما كانت عليه قبل عقدين من الزمان في مجال خدمة الكهرباء وهو بالنتيجة يعكس صورة لواقع ضعف الاداء يمتد ليشمل كافة القطاعات العاملة في  العراق هذا الواقع المريض والمرفوض من قبل العراقيين الشرفاء كان قد القى بثقله  كنتاج حتمي لتداعيات الاحتلال وفي مقدمتها الأجواء السياسية الشاذة التي استنزفت الكثير من الامكانيات البشرية المبدعة حتى وصــــل الى حالة العجز والإتكال وحرمان المجتمع من صناعة الإنجاز إثر تهـــــاوي قدراته المتميزة المعروفة علــــى الأصعــدة كافة .

ادناه رابط المصدر 

https://azzaman-iraq.com/content.php?id=87140

القيادة التأريخية / بقلم د- فالح حسن شمخي

 القيادة التأريخية 

د- فالح حسن شمخي 

هل هناك مفهوم اومصطلح يفسر ويشرح لنا مالذي تعنيه القيادة التاريخية او القائد التأريخي  وماهي دلالاته في الواقع المعاش ( الواقع العملي)؟ 

الجواب الذي اعتقد به هو نعم ان هناك قيادة تأريخية وقائد تاريخي ، لكن هذا لايمنع من ان يكون القائد التأريخي انسان  يخطأ ويصيب ،  وبالتالي فهو انسان توفرت له الظروف الذاتية والموضوعية ليتميز عن غيره بالاضافة الى توفر شروط منها :

١-  القوة ، وهي القدرة على التأثير في الحلقة المحيطة به ومن ثم عموم الجماهير ، والقوة تعني ايضا تمكنه من السيطرة  على الموارد  التي لها قيمة في دعم مشروع القائد التاريخي .

٢- التأثير، والتأثير يظهر جليا عندما يمارس القائد التاريخي قوته بوعي  في التأثير في محيطه .

٣- السلطة ، وهنا نعني بها القوة الممنوحة للقائد التاريخي في النضال العلني او السري من قبل التنظيم ، واستنادا الى الدستور والنظام الداخلي ( الشرعية الحزبية).

القائد ( القيادة التاريخية )، هي أوهو ليس (وحي  يوحى ، علمه  شديد القوى) ، ونعني بذلك ذوبان البعض بالقائد التاريخي  والاعتقاد بأن الامة والشعب لم تنجب غيره  ، وان مغادرته الموقع او الحياة يعني نهاية العالم ، ان هذا الاعتقاد  شيء خطير ومخالف لسنة الحياة والتاريخ ، وبالتالي يجعل المنظمة والتنظيم يقبع في قبو او قلعة يحيط بها سور لايمكن اختراقه للتعامل مع الحياة ومع ماهو جديد ، وهذا مايقال عنه ( ان يعيش الانسان في الماضي )، اي الموت في الحياة ، علما بان افضل طريقة للتامل مع الماضي المشرق هو بعثه من جديد والاستفادة من الدروس المستنبطة لخدمة الحاضر وصنع المستقبل الافضل.

قد يتمتع القائد التاريخي برؤية تاريخية ويتطلع لصنع  مستقبل  افضل ، ويتعامل مع الواقع على انه مسرحا يوزع فيه الادوار على الاعضاء والمنتسبين للحزب والمنظة ، ويشمل هذا عناصر الهدف واختيار الوسائل التي تقود الى تحقيق الهدف ، لكنه ليس قوة خارقة او نبي معصوم ، فهناك الكثيرون من الذين عملوا مع القادة التأريخين لهم نفس القدرات والموصفات وربما اكثر بكثير ،  لكن الظروف الذاتية والموضوعية حالت دون بروزهم.

كما كان وسيكون هناك قادة تاريخيين من ابناء الامة والشعب فأن هناك قادة الصدفة ، وهؤلاء يفتقدون  الصفات القيادية وكثيرا مايعجزون عن طرح المبادرات الجريئة ويعملون بمثابرة على تجنب التحديات الصعبة والتهرب من تقديم التضحيات ، لكنهم بالمقابل يمتلكون امكانية التحايل على الناس والتفنن في استغلال الضعفاء واللعب على امكانية المفكرين والمبدعين.

هناك مواصفات وضعها البعض من الباحثين من البحرين الشقيق كمعيار للقائد التاريخي منها :

١- الشجاعة والإقدام، الكافيان لاتخاذ قرارات تاريخية، قد تبدو في شكلها الخارجي تراجعا او مساومة، لكنها في جوهرها وصلبها تعبر عن جرأة نادرة، قادرة على إقناع النخبة وتشكيل الكتلة المجتمعية الضرورية لوضع البرامج الصحيحة القابلة للتطبيق من جانب والقادرة على اقناع كافة الأطراف بحاجتهم لها، وعدم قدرة المجتمع على الاستغناء عنها. 

٢-  التشخيص الدقيق للاستحقاقات التاريخية البعيدة عن الوعي الجماعي لها، لكونها تتطلب رؤية مستقبلية ثاقبة تتجاوز النظرات الاعتيادية الشائعة بشكل جمعي. فالتطور التاريخي للمجتمع، يفرز تلك الاستحقاقات، بعيدا عن أي شيء آخر.

٣- الاعتراف الداخلي الذاتي، والإقرار الخارجي للمجتمع، بو جود أزمة طاحنة يمكن أن تقود البلاد نحو الهاوية، مالم يجر تداركها بشكل سريع، وبتقديم بعض التنازلات من قبل الأطراف المتنازعة كافة. هذا التفاعل الديناميكي الإيجابي بين الاعتراف والإقرار يولد الأرضية الصالحة لطرح البرامج الصحيحة القادرة على تحقيق التوازن المطلوب بين التشخيص النظري، والنقل العملي على أرض الواقع .

٤- القدرة على التقاط اللحظة التاريخية المناسبة، والظروف الملائمة، الداعية لبروز تلك القيادة التاريخية، القادرة على أخذ زمام المبادرة، وتحمل المسؤولية الكاملة من أجل تهيئة المجتمع لرص صفوفه والسير نحو مجموعة الأهداف التي لا تستطيع تلك اللحظة التاريخية التغاضي عنها. ومن الطبيعي أن الأزمات وإفرازاتها، أو المنعطفات الحادة وبروزها، هي أفضل اللحظات المواتية لبروز مثل تلك القيادات، والأكثر ملاءمة لها كي تتقدم الصفوف وتحمل راية التغيير نحو الأفضل.

المعروف والمثبت ان الامة العربية المجيدة من الامم الحية ، وبالتالي فانها هي المعقل والمصدر لولادة قادة تاريخيين ، فالامة التي انجبت  المصطفى صلى الله عليه وسلم وال بيته وصحبه الكرام ، قادرة على انجاب القادة التاريخيين اليوم وغدا ،  القادة الذين سيساهمون في بناء  الغد المشرق ، كل ماعلينا هو النظر والتعامل بايجابية وواقعية مع هذه الحقيقة ،

Wednesday, 24 January 2024

التلوث البيئي في بحر البلطيق / بقلم الباحثة / رفقة فالح حسن

التلوث البيئي في بحر البلطيق 

الباحثة / رفقة فالح حسن 

(الجزء الاول)

المقدمة

يعتبر (بحر البلطيق )، من أحد أكثر البحار الداخلية تلوثًا في العالم وفقًا لجمعية الحفاظ على الطبيعة (2021 ب)، فالعناصر الغذائية الفوسفور والنيتروجين تسرب من  المدن من خلال مياه الصرف الصحي لتصب في البحر ، بالاضافة الى ان وسائل النقل من عربات  وعربات شحن والانبعاثات من المعامل الصناعية تشكل عوامل تلوث البيئة وبالتالي ، فإنها تؤثر  على  البحر والنهر و البحيرة، مما يؤدي إلى التشبع المفرط بالمواد المذكورة أعلاه وبالتالي يؤدي إلى  ان تتحول  المسطحات المائية الى انتشار ازدهار من الطحالب والنباتات الأخرى والتي تشكل خطرا عندما تموت، فهي تستهلك كل الأوكسجين  الموجود في البحر أثناء عملية التحلل وتخل بتوازن النظام البيئي (كونلي وآخرون، 2009). 

ان الاضرار بالبيئة تؤدي  إلى خلل في التوازن ويؤثر على مستقبل الأجيال القادمة. فبحر البلطيق  مثلا معرض للخطر بشكل خاص بسبب الحياة البحرية الفقيرة بالتنوع ، بالاضافة الى موقعه  الجغرافي المحدود بسبب التبادل القليل للمياه بينه وبين المحيط الأطلسي.، فالسمات الفريدة التي تميز بحر البلطيق عن غيره هي أنه يحتوي على أربعة أخماس من المياه العذبة وخمس المياه من المياه  المالحة ، وهذا الامر يعتمد على تدفق المياه العذبة والمالحة إلى الداخل والخارج وكذلك قوة المياه المالحة القوية. لذلك  يمكن العثور على الحياة البحرية التي تفضل المياه العذبة أو المياه المالحة وفي المياه قليلة الملوحة الفريدة لبحر البلطيق. 

ان من الجدير بالذكر أن الكائنات المائية لم تتطور بشكل ملحوظ في التكيف مع خصائصها التي تجعلها تعيش في بيئات مائية مختلفة، وهو ما يفسر قلة الحياة البحري التي تعيش في بحر البلطيق بحسب منظمة حماية الطبيعة. الجمعية (2023). علاوة على ذلك، تذكر جمعية الحفاظ على الطبيعة (2023) ان سمك (القد)، على سبيل المثال، الذي يقع في قمة السلسلة الغذائية، وهو حساس للمناطق الخالية من الأكسجين في بحر البلطيق، وبالتالي لا يمكنه التكاثر أو الوصول إلى الحيوانات التي تعيش في القاع كغذاء بالقدر الذي يعطيه امكانية في البقاء .

بالإضافة إلى ان  الآثار السلبية للحياة البحرية المختلفة، تؤثر أيضًا  في اقتصاد  البلدان المحيطة بالبحر  وبحياة الشعوب . من خلال  تناول مياه الشرب الملوثة التي تترك اثارها على الصحة الجسدية ، فالتلوث يؤثر ذلك على صحتنا الجسدية من خلال انقراض الأسماك في الأجزاء الجغرافية بسبب هذا التلوث ، ويؤثر على اقتصادنا من خلال قلة عدم امكانية اعتبار الثروة السمكية داعم لميزانية الدول ، وهي تؤثر على  السياحة أيضًا. يذكر الصندوق العالمي للطبيعة أن هناك حوالي 90 مليون انسان يعيشون حول هذا البحر .

ان الغرض  من هذه البحث  هو معرفة ما إذا كان من الممكن تصنيف التلوث  في بحر البلطيق على أنه يمثل مشكلة بيئية يمكن التاثر بها او هناك امكانية الاصلاح ، والسؤال هو كيف ؟ والغرض الثاني هو جزء من دراستي للبيئة في جامعة مالمو في السويد ، والفائدة المعرفية،

تظهر صورة الخريطة المرفقة  الموقع الجغرافي لبحر البلطيق والدول المحيطةوهي المانيا وبولندا ولاتفيا وإستونيا وليتوانيا والدنمارك وليتوانيا والسويد. خليج بوثنيا، وبحر البلطيق، وخليج فنلندا، وخليج ريغا.

الظهور التاريخي البيئي والتعبير عنه في الطبيعة

وفقًا لبيورك (1995)، يشكل بحر البلطيق نتيجة ذوبان الغطاء الجليدي الذي أصبح بحيرة منذ 10000 عام. ومع مرور السنين، زاد تركيز الملح في البحيرة، وبالتالي أصبحت مياه قليلة الملوحة. وأصبح المناخ أكثر دفئًا على نحو متزايد، ونتيحة للثورة الصناعية  وإلقاء جميع نفاياتها السامة في بحر البلطيق، كما تبين بعد إجراء تحقيقات في الرواسب السفلية للبحيرة،( بيرسون (Ed,.2019). والذي لم يكن مفهوما  حتى القرن التاسع عشر أن التلوث  كان نتيجة لانبعاثات السموم البيئية من الصناعات التي انتهى بها الأمر في نهاية المطاف في بحر البلطيق. (زيلين وآخرون. (2008) يشيرون إلى أن السبب الأساسي هو عوامل مختلفة منها  التحضر والنمو السكاني والسموم البيئية الزراعية.، لم تكن مياه الصرف الصحي المخففة، على سبيل المثال، مشكلة حيث كان الناس سعداء بوجود مجاري ومياه على الإطلاق مقارنة بالعديد من البلدان الأخرى التي لم يكن لديها ذلك والتي كانت عواقبها كثيرة بما في ذلك الأمراض في السكان. وكان الاعتقاد و ببساطة أنه طالما أن لديك شوارع نظيفة وخالية من الانبعاثات، فقد تم حل المشكلة جزئيًا على الأقل وفقًا لبيرسون (Ed, 2019) حتى لو انتهى الأمر في البحيرة بدلاً من ذلك. ما فعلوه وببساطة هو تخدير الشعوب أخلاقيا  أو جعلهم يغضون  الطرف عن العواقب السامة لأفعالهم على النظام البيئي من خلال إخبار ألناس،  أن الطبيعة لديها القدرة على حل المشكلة وتحييد التدمير في نهاية المطاف.

ولم يتمكن المتخصصون إلا في أوقات لاحقة من التعرف على الاسباب التي ادت الى هذا الثلوث بناءً على أبحاثهم بأن الانبعاثات من مياه الصرف الصحي هي على وجه التحديد التي أدت إلى الثلوث . ثالانر الذي قاد الى مطالبتهم بمشروع قانون يُعرف  باسم (مراجعة التصاريح ) في عام 1915. لكن الأرباح المالية الكبيرة التي يجنيها الصناعيين حالت دون ذلك ،ولكن من خلال التزام مجتمع البحث العلمي تجاه البيئة، يمكن الوصول إلى المزيد من المعرفة حول البيئة. ومن الجدير بالذكر أن السويد كانت متقدمة إلى حد ما عن الدول الأخرى في أبحاثها مقارنة بالدول الأخرى المحيطة ببحر البلطيق.

تم إقرار أول تشريع بيئي في عام 1953 بعد أن "مرض 8000 سويدي، وتوفي 90 منهم بسبب أوبئة السالمونيلا" وفقًا لبيرسون (Ed,.2019). لقد أدركوا خطورة الدمار البيئي وما هي العواقب التي يمكن أن تترتب عليه عندما يحدث دون تنظيم. وربما انتظر السياسيون والسلطات النتائج العلمية لسن التشريعات البيئية.

ومن النتائج الأخرى للتدمير البيئي  يتجلى في نوع  المرض الذي  يتسبب  للإنسان ، بالإضافة إلى  مرض تتشابه أعراضه مع أعراض  التصلب والضمور والزهايمر والشلل الرعاشي، كما يذكر بيرسون (إد، 2019). وفي أسوأ الحالات يمكن أن يؤدي إلى الموت. ويبدو أن السبب يكمن وراء البكتيريا الزرقاء الموجودة في الطحالب المثبتة للنيتروجين. إن هذه الطحالب تزدهر  في الطقس المعتدل ويبدو أنها تتجمع على سطح الماء وتفسده. وتحمل  BMAA، أي β-N-methylamino-L-alanine وهو سم عصبي خطير يؤثر على البشر والحيوانات من خلال التراكم والتكاثر في السلسلة الغذائية. ووفقا للافتراضات، فإن ارتفاع مستويات BMAA لدى البشر  يؤدي  إلى ظهور أعراض المرض. وهذا يجعل من الصعب على الكائنات البحرية الأخرى أن تعيش هناك.

ويؤدي تغير المناخ أيضًا إلى حدوث تغيرات في بحر البلطيق حيث تصبح المياه أكثر دفئًا، وبالتالي زيادة تكاثر الطحالب وانخفاض الملوحة، مما سيؤثر على الحياة البحرية التي تضطر إلى التكيف أو التحرك أو الانقراض، وفقًا لتحديث جمعية الحفاظ على الطبيعة (2021). بينما يوضح ستيجنبراندت (2021) أن تصريفات الفسفور ظلت على حالها منذ الخمسينيات ولكن رغم ذلك تضاعفت الكمية أربع مرات منذ ذلك الحين في المياه السطحية بسبب تسرب الفسفور. "المصدر الداخلي للفوسفور يأتي من تحلل المواد العضوية المخزنة في الرواسب السفلية، مما يزيد من التلوث " (ستيجنبراندت، 2021). ومن خلال أكسجين المياه العميقة، فإنه يعمل بمثابة مرشح للفوسفور في حد ذاته فوق الرواسب مثل الطبقة الحدودية حيث أنه يعزز أكسدة الحديد. ويتم ذلك، من بين أمور أخرى، عن طريق إدخال الأكسجين مباشرة أو إدخال مياه الشتاء الغنية بالأكسجين. تعتمد القرارات على إيجابيات وسلبيات كل طريقة.

تتشكل بطانيات الطحالب عندما يكون هناك الكثير من العناصر الغذائية مثل الفوسفور والنيتروجين في البحر أو النهر أو البحيرة لأنها حالة تساعد على تكاثر الطحالب والعوالق النباتية التي تتجمع مثل بطانية فوق الجسم المائي. عندما تموت الطحالب، فإنها تغوص في قاع البحر، حيث تقوم البكتيريا المتحللة بتفكيك الطحالب الميتة وفي هذه العملية تحتاج إلى الأكسجين. وبذلك تستهلك كل الأكسجين الموجود في الحياة البحرية، سواء حدث التحلل في قاع البحر أو على سطحه. فعند نقص الأكسجين في البحار والبحيرات والأنهار، لا تستطيع الكائنات البحرية الأخرى العيش.

Sunday, 24 December 2023

إِسْتِقْرَاء لِمَقْوَلَةْ أَلْرَفِيقْ أَلْشَهِيدْ صدام حسين رحمه الله ( نَكْسِبُ اَلْشَبَابْ لِنَضْمِنْ أَلْمُسْتَقْبَلْ )/ بقلم أ.د ابو لهيب

  إِسْتِقْرَاء لِمَقْوَلَةْ أَلْرَفِيقْ أَلْشَهِيدْ صدام حسين رحمه الله 

 ( نَكْسِبُ اَلْشَبَابْ لِنَضْمِنْ أَلْمُسْتَقْبَلْ )

أ . د  أبولهيب

أَولى حزبنا أَلعظيم حزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه إهتماماً خاصاً بشريحة أَلشباب أَلذين شَكَلُوا نواة الحزب التنظيمية ومسيرته النضالية ، إِذْ اعتمد ألبعث عليهم فى انتشاره وتطوره بِأعتبارهم قادة ألمستقبل وألشريحة أَلْأَوسع مِنْ شعبنا وألتي كانت ألأكثر تعرضاً للظلم وألقهر وألإِستغلال ، أَولت قيادة الحزب وألثورة عناية خاصة بالشباب ، وأَكد ألرفيق ألشهيد صدام حسين رحمه الله فى أَكثر من حديث على دور الشباب فى بناء ألمجتمع حيث قال : 

( نكسب ألشباب لِنضمن ألمستقبل ) .   

نقول هنا يعود إِنتماء ألشباب لحركة ألبعث ليس إِلى قوة ألفكرة ألعربية ألجديدة المتنامية ، والتي تعني فكرة ألبعث ، ألتي جاءت بحلول ناجحة لمشاكل أَلْاُمة ومنها ألشباب وتحديات مستقبلهم فحسب ، وَإِنَمَا لِاَنَّ ألشباب هُمْ جيل أَلْأُمة ألحيوي ألذي يحمل ألروح ألثورية وألحماسة وألإِندفاع ، والذي يتفاعل مع حاجات وتطلعات أُمَتِه ، وقد تحدث ألرفيق ألمرحوم مؤسس ألحزب أحمد ميشيل عفلق – عن هذه ألروح فى مقالته بعنوان ( خبرة ألشيوخ وإِندفاعات ألشباب ) عام ١٩٥٥م بِقَولهِ :

 (( إِنَّ صفات ألشباب ومميزات ألشباب هي وحدها ألمتلائمة مع حاجات أُمتنا ألمتحفزة للبعث والنهوض وبين الشباب وبين أُمتنا موعد وتلاق وتوافق وإِنسجام )). ولهذا أعطى ألحزب منذ تاسيسه دوراً تاريخياً للشباب بوصفهم ألطليعة ألمؤهلة لأَن تفهم ضرورات ألثورة قبل غيرها مِنْ فئات ألشعب ، إِذن صُنع ألمستقبل لابد ان يعتمد على ألجيل الشباب ألجديد كَي يؤدوا هذا ألدور ألتاريخي ولهذا لابد ان يكون بناء ألشباب بناء صحيحاً كَي يؤدوا هذا ألدور ألتاريخي حينما يكون تفكيرهم بألأساس منظماً وواعياً وجمعياً وثورياً ، بعد ان يتخلصوا مِنْ أمراض مجتمعهم ويؤمنوا بأنفسهم بوصفهم ألجيل العربي الجديد ألمؤمن بأمته ألخالدة وبقدرتها على أن تتغلب على الانحطاط الذي مرت به ، ولذلك قال ألرفيق ألشهيد صدام حسين رحمه الله (( إِنَّ ألشباب خيرة ألامة فى صنع مشروعها ألنهضوي وحينما يتم بنائهم الجسدي والمعنوي بناءً صحيحاً وسليماً والمقترن بتسليحهم بالثقافة الثورية يكونون مهيئين لعملية ألتغير فى ألمجتمع تغيراً جذرياً بعيداً عن ألأنانية ، لأن ألبعثي ثوري أصيل ليس بينه وبين ألانانية أَية صِلَة لذلك مسؤول بِأخذ بيد ألآخرين وخصوصاً إِنَّ كُلُ مخلص بعثي بطريقته ألخاصة ، هذه هي صفات ألبعثيين ألشباب ألتي صنعها حزب البعث ألعربي ألاشتراكي وبناه بناءً متيناً حتى يقاوم كل التحديات المستقبلية التي تواجهها الامة العربية ومشروعها ألقومي ألحضاري ألنهضوي ، لِأَنَّ ألشباب لايحسب وفق سِنِهِ وِإِنما وفق ألوعي وأَلارادة وألدور ألتاريخي ، لِأَن ألمجتمع ألسليم هو ألقادر على أن يمد فى عمر ألشباب كي يكون ممثلاً حقيقياً للجيل ألعربي ألثوري ألجديد ، ألذي هو جيل ألثورة ألعربية القادر وألمؤهل لتحقيق فكرة ألبعث وتحقيق ألمجتمع ألعربي ألاشتراكي ألديمقراطي ألموحد .

لذلك من أَلْأَولويات ألتي وضعها حزب البعث ألعربي ألاشتراكي بعد ثورة ألسابع عشر ألثلاثين مِنْ تموز هي مرحلة بناء ألشباب ، فإِنَّ ممارسات ألرفيق ألشهيد رحمه الله ، فى النيل وألامانة وألدقة والسعي لفعل الخير وسرعة إستجابته لحاجات ألمجتمع والفرد كان لها دورها فى توحيد ألاهداف وتفجير ألطاقات ، وبهذا يخاطب ألرفيق ألشهيد طلائع ألعراق بقوله:

 (( إَنكم أيها ألاعزاء ، درع ألعراق ألموصوف وسيفه ألمتحفز فى ألغمد وذخره وذخيرته الحية يوم تشح المنابع وَسَاعِدَهُ أَلمُنْتَظر وأنامله ألدقيقة على ألطريق استمرارية ألنهضة ألشاملة وبما يبقى ألعراقيين ممسكين بناصية ألمجد والحرية وألازدهار مكللين بسلام ملؤه ألعز والافتخار )) .

لذلك إنَّ ألشباب دائماً كان موضع إهتمام ألرفيق ألشهيد صدام حسين ،  إِذْ أوصاهم بِأن يضطلعوا بدورهم ألقيادي فى معركة ألامة ضد واقع ألتخلف والرجعية والتجزئة من خلال بناء شخصيتهم ألقيادية . حين ينظر ألبعثيين إلى تجربة حزبهم ألنضالية ، لايرون فيها إلا مسيرة نضالية للشباب ألعربي ألمؤمن بقضايا أُمتِهِ ، ولا يرى ألبعثيون فى تاريخهم إلاَّ ماهو حركة شبابية ، مِنْ حيث مضمون ألفكر وَمِنْ حيث قادة ورواد ألفكر ، مِنْ طلائع ، ألبعثيين ألذين حملوا على عاتقهم مسؤولية إِعادة بناء ألانسان ألعربي وألاضطلاع بحمل رسالة ألامة وأهدافها فى ألوحدة والحرية والاشتراكية . لذلك نرى ألشباب فى رؤية ألرفيق ألشهيد ثورة متجددة ، تتفاعل مع ثورة ألامة العربية.

وَهُمْ ثروة مِنْ ألطاقات وألخيال ، وألفكر ألنقدي ألتقدمي ألحر ، وألعقل ألمنفتح .


 وكان ألرفيق ألشهيد صدام حسين رحمه الله يدعوا إلى دعم الحزب بألدماء ألشابة ، ألمصحوبة بألأفكار ألمتجددة ، بأن يفتح الحزب للشباب فرص إِبراز طاقاته وإبداعاته ولا يجب فرض جدار وقوالب وآليات نمطية عليهم ، لذلك كان مِنْ ألمهم لحزب ألبعث العربي الاشتراكي أن يتبنى خطة تربوية للشباب تتركز حول كيفية التعامل مع هذا ألقطاع ، وتوظيف طاقاته فى إطار حركة ألنضال ألعربي نحو أهداف ألامة .   

وعلى ضوء ذلك إِنَّ خطة بناء ألشباب ألبعثي ، هو عمل متكامل ضمن خطة بناء ألمجتمع ألاشتراكي من خلال إعداد جيل ينهض بمتطلبات مرحلة ألنهضة ألقومية ألشاملة للقضاء على عوامل التخلف والرجعية فى ألمجتمع ألعربي ، وحين يضع ألحزب مهاماً نضالية للشباب ، يضعها مَنْ واقع فهمه للشباب وحيوية دورهم فى مسيرة ألامة ، وكذلك مِنْ زاوية إدراك ألطاقات ألممكنة والمهارات المتاحة لدى ألشباب ، واستيعاب المشاكل والتحديات التي تكتنف ألشباب ، لذلك إن طموحات هذه الامة ومستقبلها هو كله للشباب والاجيال ألقادمة ، وبالتالى وفى إطار إعداد الاجيال للثورة العربية ، مِنْ هنا يتبنى ألبعث مفهوماً لدور ألشباب ، ينبع مِنْ فكره القومي ألتقدمي ، ويناهض ألمفاهيم ألتقليدية للشباب. 

 إِن حزب ألبعث إستوعب دور ألشباب فى المنهاج النضال الثوري ، لِإِستيعاب طاقاتهم وأفكارهم ألمتجددة ، وبجانب ذلك إِستيعاب ألنواحي ألبيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية والثقافية والحضارية لمرحلة ألشباب .             

نرى إن الشباب فى فكر الرفيق الشهيد صدام حسين رحمه الله هذا ألمفهوم لطبيعة ودور الشباب فى مسيرة وحدة وتحرير الامة ، لذلك ان شعار الرفيق الشهيد صدام جسين ( نكسب الشباب لنضمن المستقبل ) مِنْ الشعارات التي ظلت ترددها الملاكات الحزبية فى محاضراتها وفى خططها الحزبية ، بالقدر الذي أصبح شعاراً تكتبه المؤسسات الحزبية وتزين به جدران المقرات الحزبية ، لذلك إِنَّ كلمة الرفيق الشهيد هذه تلخص أبعاد المهمة المركزية لبناء الانسان ولبناء الاشتراكية فى الثورة العربية فى وطننا العربي ذلك أن كسب الشباب إِنما يعني إِنقاذهِ مِنْ عوامل ألضياع ، ألا وهي عوامل ألإنحطاط فى ألمجتمع العربي ، وجعله مهيئاً للنهوض بمهمات المرحلة الانبعاثية فالوحدة العربية لايبنيها إِلاَّ الوحدويون ، والاشتراكية لاتتحقق إِلا بالإشتراكيين ، والحرية لايحرص عليها وينتزعها إِلا ألاحرار فإِن نكسب الشباب يعني ان ننقذهم من واقع التجزئة والتخلف والاستغلال والاستسلام لاإِرادة ألأجنبي وان نزودهم بعقلية الوحدة والاشتراكية والروح الثائرة المتحررة ، وبذلك  نضمن تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية ، وان نضع الحاضر والمستقبل معاً ، من خلال تربية الشباب الاشتراكي فى الوطن العربي تربية انبعاثية شاملة ، لذلك نرى بان كل إهتمامات الرفيق الشهيد صدام حسين رحمه الله يتركز حول تربية الشباب ، نرى هنا الرفيق الشهيد يكتب للشباب مجموعة مِنْ وصايا منها يوصي فيها الشباب البعثي ويهيئه لدوره فى قيادة المجتمع العربي مِنْ خلال وصيته التي جاءت ضمن حزمة مِنْ الوصايا يقول : (( أَيها الشباب إِذا سبقكم مَن ترون أَنَهُ سابق لكم بما هو مادي أو مظهري فلا تعقبوا أثره ، وأختاروا طريقكم الخاص المشرف ، إِذْ كان الطريق مَنْ سبقكم على غير هذا الوصف وأسبقوه إِلى ماهو روحي واعتباري ، وبالثقافة والموقف والتحصيل الدراسي والعمل الشريف المشروع ، إِذْ أَنَّ موقفكم على هذا هو الاعمق أثراً والاكثر رسوخاً ، والاعلى منزلة ، وغيره قد يكون إلى زوال)).

ومِنْ هنا نحاول إستصحاب فكر الحزب أن نفكك تلك الوصية ونربطها مع استراتيجية بناء الكادر البعثي بما يحقق وصية الرفيق الشهيد ويدعم نضال الحزب مِنْ خلال التخطيط السليم لبناء الحزب وكذلك نربطه بتربية الشباب ، هنا تهدف تربية الشباب فى منظور البعث الى خلق انسان ذي نزعة حضارية ، يمتلك حساً تأريخياً وَ واعياً بالمرحلة التي تمر بها الامة ، وتتحقق فى ذاته المعادلة الصحيحة بين الاصالة والحداثة ، فيتفاعل مع التراث تفاعلاً حياً ويتفاعل مع التطور المعاصر تفاعلاً أصيلاً .                        

وهنا يظهر لنا شيئ جديد عن التربية وهي الشخصية الحضارية التي تحقق الترابط الداخلي بين العقلية الوحدوية والروح الاشتراكية والايمان بالحرية هي ما تطمح التربية الاشتراكية الى انضاجه وتكوينه عند الشباب العربي المناضل ، فيكون حاصل ذلك أن يقترن العلم بالاخلاق والثورة بالتواضع .

هنا نرى لم يبقى جانب من جوانب الحياة المرتبطة بتربية الشباب لم يتطرق اليه الرفيق الشهيد صدام حسين رحمه الله ، لذلك نرى بان احاديثه لَنْ تخلو من الجانب الروحي فى تكوين شخصية الشباب البعثي ، لان كان الاسلام مثالاً تاريخياً بارزاً فى التاريخ العربي ، وكان يتميز بطاقة روحية كبيرة ، بحيث نجح نجاحاً كبيراً فى عملية التغير فى أَلْبُنْى الفكرية والحضارية العربية إِلا أَنَّ دور الثقافة الاسلامية كمحرك إضافي فاعل فى تحقيق أهداف الثورة العربية الذي اصابه التكلس من خلال واقع التخلف الفكري الذي حول الثقافة الاسلامية الى ثقافة فكرية متخلفة ، تعزز الفرقة ولا تعزز الوحدة ، تعمد على اضطهاد البشر ولا ترفع مِنْ قدرة الكرامة الانسانية ، وحتى يكون للثقافة الاسلامية دورها الروحي المحفز للشباب العربي ، يجب أن تعزز فى تلك الثقافة جوهرها القِيَمِي الانساني ، وبُعْدِها النضالي التعبوي وفى الحالتين يسهم ذلك فى تعزيز النواحي الروحية المُغَذية للشباب العربي وبالتالي يتحقق التناغم بين الجانب الروحي للشباب ودورهم النضالي ضد التخلف وقوى الاستغلال ، وعليه يكون للجانب الروحي دور فاعل فى حركة النضال القومي العربي.

 وفى الخاتمة وتلخيص ذلك نذكر هنا إن الرفيق الشهيد صدام حسين رحمه الله ومن خلال وصيته للشباب لَمْ يعط أولوية لعنصر عَنِ أَلآخر ، ولما جعل تلك الشروط كلها تتكامل وتترابط ولا يغنى وجود بعضها عن غياب الآخر ، فتكوين شخصية الشباب العربي المناضل ، يجب أن تتحلى بالجانبين الروحي والعلمي وبالتالي لايمكن أن يكون مظهرياً ولا مادياً ، إِذا كان علمياً محضاً وغاب عنه الروحي يكون بذلك الشاب قد أصبح مادياً ، وإذا كان روحياً محضاً وغاب عنه العلمي يكون بذلك الشاب رجعياً متخلفاً يحمل طاقة هدامة .  

 وفى النهاية بَشَّرَ الرفيق الشهيد صدام حسين رحمه الله ، الشباب البعثي الملتزم بمنهاج التربية الحزبية الصحيحة للشباب ، التي تزاوج مابين الروحي والعلمي بالنجاح والتقدم إِذ وصف موقفهم وعملهم فى وصيته بأنه الاعمق أثراً والاكثر رسوخاً والاعلى منزلة ، وغيره قد يكون الى الزوال .

مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

  مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم هاتف الثلج قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل...