المراهقة الفكرية - الجزء الخامس -
كتب نبيل مرتضى:
نتحدث، اليوم، عن الميثاق الفكري لمعهد تجديد الدكتور خضير المرشدي ص94-153. وعلى امتداد 60 صفحة يستعرض المعهد ميثاقه الفكري في 17 عنواناً يدعو إلى البحث فيها لكي تنهض الأمة تمحورت حول:
1- قضايا فكرية: تمثلت بالديمقراطية والمسألة الدينية والتاريخ والقومية والفكر العربي والثقافة والوعي واللغة العربية والترجمة.
2- قضايا الاقتصاد والتربية والتعليم والبيئة والصحة والتنمية البشرية والشباب والإعلام والقوة الناعمة والتكنولوجية الرقمية والقانون وبعض آفاق التجديد.
الرد: بعد التمعن في فقرات الميثاق الفكري سنتبين أن لا جديد في معهد التجديد بناء ما ورد فيه، وهو ليس ميثاقاً فكرياً بمقدار ما هو برنامج عمل أكاديمي يمتاز بالمبالغة والتهويل ويصل إلى حد الأحلام الطوباوية الرومانسية (أحلام العصافير) لإجراء بحوث في قضايا فكرية وسياسية واجتماعية... الخ ادعى أنها شمولية بينما هي قاصرة وانتقائية تفتقر إلى آلية التطبيق ولا تختلف أبداً عن الدراسات الكلاسيكية التي تعالج في أي جامعة لغرض البحث من أجل البحث وليس لغرض تغيير الواقع العربي بالإضافة إلى أن لها نهجاً يفترق كثيراً عن نهج البعث. وهذا ما سنبينه أدناه:
القصور الفكري والسياسي:
1- غياب المحور الوحدوي ومعالجة موضوع التجزئة القومية والتجارب الوحدوية العربية (والغربية) بدءاً بوحدة 58 وما تلاها وأسباب فشلها، وضمن هذا الإطار أليس من المفترض أن يكون هناك وحدة بحثية لدراسة سببية انفصال جنوب السودان. ومواجهة الخطط الأمريكية لتقسيم المقسم!
أليست الوحدة القومية هي الهدف الأصعب في نضال الأمة والذي له أرجحية على الحرية والاشتراكية في فكر البعث. إن موضوع الوحدة ليس موضوعاً فرعياً وهامشياً نمر عليه مرور الكرام، بل هو جوهر النضال العربي وطريق خلاص الأمة ومن أجله أنشأ بعض القوميين المخلصين مركزاً بحثياً خاصاً بالوحدة (مركز دراسات الوحدة العربية) أثمر عن آلاف الدراسات وعشرات المؤتمرات الغنية بعصارة أفكار الوحدويين العرب الكبار . وفي موضوع الوحدة أليس من المفترض أن يكون هناك وحدة بحثية تعنى بالمجتمع العربي وبطبيعته وعصبياته العشائرية في كل قطر عربي والتي لها دور كابح لقيام الوحدة العربية حيث تلجأ الأنظمة العربية برمتها إلى تكريس القطرية المقيتة (تحت عنوان الخصوصية الوطنية... الخ) لتعميق أسس التجزئة. وفي إحدى مؤلفات الباحث البحريني المعروف الدكتور محمد جابر الأنصاري جير امكانياته الفكرية ودراسته للتاريخ العربي كلها اعتماداً على منهج ابن خلدون في كتابه: (تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية) ليصل إلى خلاصة وهي استحالة تحقيق الوحدة العربية بسبب العصبيات العشائرية، وهذا التوجه الفكري البغيض والمشبوه به حاجة إلى مواجهة. أليس كذلك يا دكتور خضير؟
2- غياب المحور التحرري: لقد غاب عن قضايا معهد التجديد تناول القضايا التحررية فلم يرد في الميثاق الفكري أي ذكر لقضية فلسطين التي يعدّها الحزب قضيته المركزية ولم يرد أي ذكر أيضاً إلى الأراضي العربية المغتصبة الأخرى (الأحواز , الجزر العربية الثلاث, الجولان, لواء الاسكندرون, واوغادين المغتصبة من إثيوبيا وإقليم انفدي المغتصب من كينيا (أراضي الصومال) وسبتة ومليلة المغتصبة من إسبانيا).
إن كل شبر عربي مغتصب من الأرض العربية له القدسية نفسها بالنسبة للبعث. ولو أشرنا إلى أهمية البحث في الأحواز السليبة مثلا لقلنا لك يا دكتور إن مساحة الأحواز تزيد على مساحة لبنان وفلسطين وسوريا والأردن معاً وتشكل الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني إذ أن 80% من النفط الإيراني الكلي و75 من الثروة المائية الكلية كلها تسرق من الأحواز السليبة التي يقطنها 13 مليون عربي... الخ. ربما تقول اصبر قليلاً يا أخ نبيل فنحن معهد شمولي وسنتطرق إلى ذلك مستقبلاً فلا تستعجل، أقول كلا، بل أنا عجول لأنه لا يعقل أن يتم تجاهل قضية تحرير الأحواز بهذه الصيغة الصارخة، فالاحواز جزء مغتصب من أرض العراق.. ألا تستحق الأحواز أن يكون لها وحدة فكرية خاصة بها كونها قضية تمسك وطنياً بالإضافة إلى كونها قضية قومية؟ هل أنت لا تريد إثارة ايران لكي لا يصبح رأسك مطلوباً إليها (أي لأسباب أمنية). أو ربما ستزايد علينا وتقول عن نفسك إنك رجل قومي وإن القضايا كلها لها الثقل نفسه في الميزان القومي. حسناً، إذن، لماذا لم تخصص لكل أرض عربية مغتصبة أخرى (لنقل عدا الأحواز) وحدة فكرية خاصة بها؟ إن عدم تخصيص وحدات فكرية للأراضي العربية المغتصبة الغرض منه هو ألا تتصادم مع الكيان الصهيوني وإيران وتركيا وإسبانيا التي (تقيم فيها) ولا حتى مع اثيوبيا وكينيا.
3- غياب الأمن القومي المائي: ألا يعاني العراق المنكوب من شحة المياه. وألا تعاني مصر من مصيبة سد النهضة الذي يشكل قنبلة موقوتة تهدد أمنها القومي برمته. ألم تطلع على مسوغات التفكير بإقامة سد النهضة قرب حدود السودان وما الدور الحيوي للكيان الصهيوني في رعايته وحمايته عسكرياً ومالياً وسياسياً، وغاب عن ذهنك أن علماء الكيان الصهيوني لهم طابق خاص في وزارة الماء الاثيوبية... الخ؟ وما ذلك إلا لتركيع الشعب المصري حتى لو بعث قائد جديد بحجم المرحوم عبد الناصر .
إنها سياسة تركيع الشعوب بعد أن تم تركيع بعض الانظمة. ربما تقول أيضاً يا أخي إن ما تفضلتم به ستتم دراسته مستقبلاً ضمن وحدة الأمن القومي لماذا التسرع في إلقاء اللوم علينا. أقول إنني مستعجل مرة أخرى للبحث في هذا الموضوع الساخن والمصيري وهو موضوع الساعة وما الفائدة من الكتابة فيه، بعد أن يصبح سد النهضة أمراً واقعاً هذا إذا كتبتم.
