Monday, 11 July 2022

مفهوم التجديد ومعهد التجديد العالمي للمرشدي / بقلم الدكتور فرحات إبراهيم

مفهوم التجديد ومعهد التجديد العالمي للمرشدي

الدكتور فرحات إبراهيم  

لا يكاد يمر عام في حياتنا من دون أن يظهر على الساحة الفكرية مراكز أبحاث جديدة تحت مسميات مختلفة ومنابت فكرية متنوعة تبغي النهوض بالفكر القومي العربي الذي رسخ أسسه الرواد الكبار الأوائل، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي تحت عنوان تجديد الفكر القومي ومن هذه المراكز ما هو مخلص في أبحاثه ومنها ما هو مأجور لغرض نحر القومية العربية. والأسباب التي تقف وراء هذه الجهود الفكرية هي الهزائم التي حلت بالأمة العربية، بعد نكبة 48، بدءاً بالانفصال سنة 61 مرورا بنكبة 67.. وصولاً إلى نكبة العراق وسوريا واليمن.

مفهوم التجديد: إن مفهوم تجديد الفكر العربي، بحد ذاته، حق يراد به باطل وهو سيف ذو حدين، فإذا كان من البديهي القول إن الأفكار كالأشجار ذات طبيعة حية في نموها أو ذبولها فأنه يكون من الطبيعي تقليمها أو مدها بمصل الحياة حتى تزهر وتثمر ولكنه من غير المشروع بتاتاً أن نقطع جذورها بحجة تجديدها. وبناءً على هذا المنطق ندرك أن الفكر القومي التقليدي قد ولد في ظرف زماني محدد وله معطياته ولا يجوز أن نحاكمه بناءً على معطيات عصر العولمة لإثبات قصوره، وتالياً نسفه من جذوره (كما فعل بعضهم ومنهم الدكتور خضير المرشدي)، بل المطلوب البناء على ما سبق من عطاء فكري قومي وتشذيبه واغنائه بما يتماشى مع معطيات العصر.  يقول المفكر العربي د. محمد فخرو (1): عبر عشرات العقود من السنين كتبت الألوف من الكتب وعقدت الألوف من المؤتمرات من أجل تجديد الفكر العربي محتوى ومنهجاً فى التفكير الجديد لكنّ تلك الجهود ظلت محصورة فى دوائر النخب العربية المثقفة واهتماماتها. لقد فشلت تلك النخب فى جعل ذلك التجديد تياراً عاماً يتبناه المواطنون العاديون وينشرونه فى ما بينهم على نطاق واسع. ويقول مفكر آخر إنه لابد، بداية، من تأكيد أن الفكر لا يُجَدَّد في ندوةٍ أو مؤتمر. وأن التجديد عملية يقوم بها أفراد على التقاطع بين مسار حاجات تـنـتجها العملية الاجتماعية التاريخية ومسار تاريخ الأفكار. لقد نشأت الحاجة إلى مفكرين من نوع مفكري النصف الأول من القرن الماضي ليطرحوا الفكرة العربية. ولابد أن تـنجب الحاجة للتجديد مفكرين جدداً. والمؤتمرات والمنتديات هي مجرد تعبير عن مثل هذه الحاجة للتجديد وعن الاعتراف بضرورتها. ولكن مهمة التجديد الفكري في النهاية هي مهمة إبداع فردي. (2)

وعودة إلى الميثاق الفكري لمعهد التجديد نقول إن المعهد قد عدّ (ان تجديد الفكر العربي يعتمد على بناء مجتمع المعرفة  ومبدأ المواطنة وتربط الفكرة الملهمة بينهما

  وبذلك فأن مجتمع المعرفة هو المجتمع الذي يهيئ البيئة الملائمة لتحقيق مبدأ المواطنة العربية التي تشكل الركن الثاني للفكرة الملهمة والتي تُعَّرْف بأنَّها الحق القانوني والإنساني الذي يضمن للفرد في الوطن العربي الحرية في أن يختار الدولة العربية التي يرغب بالإقامة والعيش والعمل فيها والتنقل والاستثمار وحق التجنس، ويتمتع، بصفة متساوية، من دون تمييز  مع بقية المواطنين في الحقوق وتأدية الواجبات تجاه الدولة بما يشعره بالانتماء إليها  والمواطنة العربية تفرض حقوقاً وحريات يجب أن يتمتع بها المواطنون كالحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية)(3 ). وهنا نقول أن هذه الدعوة للإقامة والعمل.. الخ في أي قطر عربي لا يمكن أن تتحقق إلا عند إقامة دولة الوحدة.. أليس كذلك! فأين مبدأ الوحدة العربية في منطلقات المعهد؟ ألا يعني ذلك أن مبدأ الوحدة يجب أن يكون مبدأً مركزياً يترافق مع بدء المواطنة؟!! وهل يمكن أن يتم بناء مجتمع المعرفة الرقمي في ظل التجزئة والتخلف والانحياز إلى أنظمة سايكس بيكو ومنظوماتها الفكرية الحالية والتي عدّ المعهد أنها تشكل المضمون الجديد لوظيفة القومية العربية!!!!

لا شك أن منطلقات المعهد تشكل صرخة  لتمنيات واهمة وطموحات يحلم بها المواطن العربي لأن تكون الأمة العربية في مصاف الأمم على الصعيد العلمي والرقمي وكذلك يتمنى المواطن العربي من أعماقه أن يتحقق مبدأ المواطنة وحرية الفكر والعمل وتحقيق الديمقراطية بأبعادها كلها ويستعيد كرامته وإنسانيته المسلوبة من أنظمة سايكس بيكو وأجهزتها القمعية التي أذاقته طعم الهوان والذل والتنكيل في زنازينها ولكن فكرة المرشدي ارتبطت، بعد التأسيس بجهات مشبوهة فأصبحت تبدو في ظاهرها نعيم وفي باطنها عذاب مقيم. 

إن المواطن العربي أدرك أن أنظمة سايكس بيكو الدكتاتورية والبوليسية هي شر البلاء وأن الديمقراطية أصبحت ضرورة تاريخية للتخلص من هذا البلاء. ومع ما سبق كله نقول إن هذه الصرخة لا تمتلك مستلزمات التحقيق على المستوى العملي وشروطها إطلاقاً.. إنها ليست أكثر من صرخة في الهواء تدغدغ مشاعر المواطن العربي المكلوم!!

إن المعهد حين نزع الثوب السياسي والحزبي عن توجهاته وادعى استقلالية  مدرسته الفكرية الجديدة ونادى بفلسفة التفكير من أجل التفكير إنما وقع في المطب الخطير الذي وقع فيه من قبل بعض من أيد تأسيس الجامعة العبرية في الكيان الصهيوني وكذلك مع من أيد التعاون العلمي مع تل ابيب تحت عنوان العلم من أجل العلم وبعيداً عن السياسة. وها هو الدكتور خضير يسعى إلى تأسيس مدرسة التفكير من أجل التفكير بعيداً عن السياسة وبناءً على ذلك سوف يتسلل إلى معهده العديد من النخب التي تدعو إلى التطبيع طالما أن المدرسة الفكرية الجديدة لا علاقة لها في السياسة وهنا مكمن الخطورة والشطط في توجهاته. إن الدعوة إلى بناء مجتمع المعرفة ومبدأ المواطنة كدعوة لا خلاف عليها من حيث الطموح ولكنها تفتقد إلى الساقين التي تسير عليهما لتتحقق عمليا. لقد نزع الدكتور خضير الرأس عن الجسد العربي وتركه يحلق في فضاء الإنسانية والمدنية وكان عليه أن يستعيد ربط الرأس بالجسم العربي بمعطياته الموضوعية والذاتية كلها ليحقق ما يصبو إليه. كما أرجو أن لا يصاب بالغرور من عديد النخب الأكاديمية الموالية له ذلك لأن أنظمة سايكس بيكو المطبعة مع الكيان الصهيوني والمرتبطة مصيرياً بالعجلة الامبريالية لن تتردد في دعمه وضخ العديد من النخب إلى معهده طالما آثر السكوت عنها وفضل عدم الصراع معها، كما قال في كلمته في ذكرى تأسيس المعهد. إن التنظير من أجل التنظير وحوارات الانتليجنسيا لن تغير في الواقع شيئا. وإن تغيير الواقع العربي لتنهض الأمة وتبعث من جديد إنما يقع على عاتق جيل البطولة الذي يخوض النضال القومي الشاق في سوح النضال متسلحاً بالفكر القومي العلمي الثوري ويعبد طريق بعث الأمة بالشهداء الأبرار وما عدا ذلك أحلام طوباوية ليس أكثر. 

 الهوامش:

1- د. علي محمد فخرو يكتب: تجديد الفكر العربي في الساحات* (almasryalyoum.com)  

2- نشرة التجديد الرقمي العدد20  الأربعاء 01 ديسمبر 2021.

No comments:

Post a Comment

مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

  مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم هاتف الثلج قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل...