Tuesday, 5 July 2022

قراءة هادئه في طروحات المعهد العالمي للتجديد العربي/ بقلم د. نضال عبد المجيد

 قراءة هادئه في طروحات 

المعهد العالمي للتجديد العربي

د. نضال عبد المجيد

25 كانون الأول 2021

        أثارت طروحات المعهد العربي للتجديد الدولي في الأونه الاخيره جملة من التساؤلات ..رافقتها أتهامات متعددة  بالتخوين وشبهات عن الجهات الداعمة في  تمويل المعهد، لذلك يقتضي الحال النظر في  ماهية المعهد وما نتج عنه من أفكار ومواقف، وخاصة تلك التي جاءت في ندوته المنعقدة في حزيران من عام 2020، ومؤتمره الفكري الاول في تونس والمنعقد في اوائل تشرين ثاني 2021، وبعيدا عن اسلوب الشتائم والشخصنة، ولو ان شخص رئيس المعهد يثير الجدل، وبصماته هي السائدة، ومع هذا سأحاول أن أفند ماجاء به المعهد، بقراءة هادئة لطروحاته .

    قبل البحث في طروحات المعهد ومبرراته وأهدافه، ينبغي التوقف عند تسمية المعهد، فالتسمية المعتمدة هي" المعهد العالمي للتجديد العربي"، والسؤال هو ماهي مبررات وجود كلمة العالمي، وماذا يراد منها، فهي تأتي دائما أذا كان القصد منها دول العالم جميعها، فنقول المجتمع الدولي، او يقصد بها جزء من دول العالم، مثل دول الشمال أو دول الجنوب، او اي تجمع دولي، فمنظمات الأمم المتحده تسمى منظمات دولية لانها تضم دول العالم المختلفة. 

فتسمية المعهد بالعالمي تعني انه يضم في عضويته اشخاص، من غير العرب، او ان هناك جهة دولية تريد ان تقوم بالتجديد العربي، أي ان المعهد هو معهد دولي، مؤسس من دول او منظمات دولية، او اشخاص يتبعون لهذه الدولة أو تلك، تهدف للقيام بعملية التجديد العربي .

والمسألة الاخرى عبارة" التجديد العربي "بعد ان تم وصفه بالعالمي، ودون تحديد لأي ميدان من ميادين الحياة يشمل هذا التجديد، فلو قالوا الفكر العربي لبان واضحا، ولكن ان يقال التجديد على اطلاقه، فهذا يعني كما أسلفت، بأن المعهد مؤسسة دولية تهدف للتجديد العربي بكل تفاصيله الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية .

فهل سمعتم عن معهد يستطيع القيام بكل ذلك، وهذا ماطرحه رئيس المعهد، في كلمته يوم 7 تشرين ثاني 2021، بان المعهد مدرسة فكرية هدفه تجديد الفكر والدين والمنظومات القيمية والاخلاقية وكل الواقع العربي، وصولا الى فكرته الملهمة كما سماها، والتي سنأتي عليها فيما بعد بالتفصيل .

       سنحاول ان نتعرض لطروحات المعهد من خلال محطات ثلاث:

الأولى: وهي ملاحظة شخصية، روى لي أحد الاصدقاء الاكاديمين من احد الاقطار العربية (وهو بعثي سابق) أذ نشر على"الفيسبوك" تعليقا بعد أنضمامه للمعهد، يتضمن المباركة بانشاء المعهد، وأنه خطوة على طريق تحقيق أهداف الامة العربية وحزبها القائد في الوحدة والحرية والاشتراكية، يقول صديقنا الأكاديمي فوجئت برد غاضب وقاس من رئيس المعهد، وطلب منه حذف المنشور، وان المعهد مستقل ولاعلاقة له بالحزب .

مضى على  هذه الواقعة، اكثر من عامين، ولكنها ولدت لدي انطباعا مبكرا بأن أمرا ما سيدبر، وهذا الامر يريد ان يجعل من المعهد بديلا عن الفكر القومي وطروحاته التي مازالت الى اليوم تشكل الهاجس الاكبر للغالبية الساحقة من المفكرين والمثقفين والمواطنين  العرب في شتى أقطارهم .


الثانية : ندوة المعهد في حزيران من عام 2020

عقد المعهد ندوه عبر تطبيق" الزووم "وانتشرت مقاطع عديده منها على "اليوتيوب "ومواقع التواصل الأجتماعي، أثارت ضجة كبيره في وقتها، ويبدو انها كانت بالونة أختبار لما سيأتي في المؤتمر القادم، ولما لم تحظ برد فعل كاف من المفكرين العرب، او من المؤسسة الحزبية، جاءت الكلمة المطولة لرئيس المعهد في المؤتمر القادم، والتي سنبحثها فيما بعد .

ففي تلك الندوه وبكلام مكتوب وليس مرتجل، استخف رئيس المعهد بكل التاريخ العربي، وقال ان التراث قيد العقل العربي، وأحاط كل ذلك بمصطلحات التجديد والابستمولوجيا والفكرة الملهمة.

الابستمولوجيا: مصطلح استخدم لأول مره من قبل الفيلسوف الاسكتلندي جيمس فريديريك فيرييه، لوصف فرع من فروع الفلسفة المعنية بطبيعة ونطاق المعرفه، وتفسيرها بأيجاز، وكيفية الحصول عليها، وماهي الصلة بينها وبين الحقائق الموجوده من حولها، وكما ركز الفيلسوف فيرييه على التحليل الفلسفي لطبيعة المعرفة ومدى ارتباطها بمختلف المفاهيم، مثل الحقيقه والأعتقاد والتبرير.


    هذه لمحة عن موضوعة الأبستمولوجيا والتي لم يعد اليها رئيس المعهد في كلمته، ولكنه ادخل المفاهيم المرتبطه بها، الحقيقة، الاعتقاد، التبرير، في صلب أهداف المعهد.

أما الفكرة الملهمة فقد أسهب في شرحها في كلمته في مؤتمر 2021.

فهذا ما بشرت به الندوة عن تجديد الفكر القومي، وكأنه قطع للصله بين الماضي والحاضر، وتأسيسا لمستقبل مجهول الملامح، وتشكيكا بتاريخ الأمة وكل حقب  حضارتها المتعاقبة والتي حملت للانسانية النور والمعرفة ، وبما يهدم المرتكزات  الرئيسية من مرتكزات انبعاثها القومي .


الثالثة: جاءت كلمة رئيس المعهد في أفتتاح مؤتمر التجديد القكري الاول المنعقد في تونس للفتره من 7-10 تشرين ثاني 2021، تحمل في طياتها اهداف المعهد ورؤيته، وكيفية قيامه بعملية التجديد، وبأسلوب ماكر يشبه دس السم بالعسل، وارتداء غطاء القومية والعروبه حينا (مع عدم ذكر الوحدة العربية) وكأنها من المحرمات، التي لا يجوز الأشارة اليه ، أو هي مما اوحي به الى رئيس المعهد والقائمين عليه، وبنهج غير مألوف من معهد يدعي انه يعنى بالفكر والتجديد العربي  .


ولنلق نظرة فاحصة ومتجرده على ماجاء بهذه الكلمة، لنفندها ونبين كيف تم حشر المباديء القومية العليا والفكر القومي العربي، في محاولة لذر الرماد في العيون، والخلاص من سهام النقد والتشريح  الذي  سيطال المعهد وأهدافه.

   اولا: تبدأ الكلمه بجملة طويلة" من مميزات مشروع التجديد العربي وفق رؤيته الاستراتيجية وفكرته الملهمة أن يفضح يقينيات جامده ومتحجره، ويعري حالة العجز في منظومات فكرية معاصره، ويكشف الزيف في خطابات دينية متطرفة وقومية متعصبة، وقبلية متخلفة معطلة للعقل، متعارضة مع المنطق وناتجة عن التناقض بين التفسيرات اللاعقلانية للظواهر والنصوص والاحداث وبين التطورات العلمية والفلسفية والرقمية التي أنتجتها الحضاره الانسانيه.".

يستهل رئيس المعهد كلامه بكلمة (فضح) وسيتغنى بها ويعيدها خمس مرات على الاقل في كلمته، فهل سمعتم من قبل مفكرا يستعمل هذه الكلمة عندما يكون الأمر متعلقا في مسائل جوهرية، تعنى بشؤون الفكر والنهوض القومي. 

فهو يريد ان يفضح اليقينيات الجامده والمتحجره، ولم يعرج عليها ويوضح المقصود منها ، ثم ينتقل الى العجز في المنظومات الفكرية المعاصرة ، وهذه تستوجب التوقف عندها مليا، أذ انه حشرها وسط أنتقاده للخطابات الدينية المتطرفة والقومية المتعصبة ، والقبلية المتخلفة ، لنفصل ذلك ونقول ماهي المنظومات الفكرية السائده في الوطن العربي الان. بالتأكيد هناك مفكرين من شتى المشارب وكل الاتجاهات ، ولكن هل مثل هؤلاء منظومة فكرية بالتأكيد لا. المقصود بالمنظومة الفكرية هي المنظومة الجمعية وليست الفردية، والمنظومة الفكرية الجمعية  هنا، هي الفكر القومي العربي وفي طليعته فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، فهل عجز فكر البعث ولم يتطور، ولم يواكب المستجدات المختلفة التي مرت بها الأمه سواء على صعيد الفكر أو الممارسة، وهو يتمثل وصية القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق في احاديثه المبكرة عندما يقول أياكم والنظرة الجامدة للحياة التي لاتفهم سر الحياة. القاريء الحصيف والمتتبع لفكر البعث سيجد تطورا فكريا في طروحاته وأسهامات مفكري البعث في الفكر القومي لاتعد ولا تحصى .

أتهام الفكر القومي وفكر البعث ، بالعجز ليقوم المعهد بتجديد هذا الفكر، ولاندري من هم أدوات هذا التجديد ، هل هم من يركبون موجة الفلسفة والمتطلعين للشهرة بواسطة اللعب بالكلمات ، واختلاق الازمات غير المبررة ،

أنها وغيرها أسئله لن تجد لها جوابا .

وليدلنا رئيس المعهد عن القومية المتعصبة ، ومن هم القوميون المتعصبون ، لم نجد في الفكر القومي العريي بجناحيه البعث والناصريه أو المفكرين القوميين المستقلين من يدعو الى العصبية القومية ، كما شاهدناها في قوميات 

أخرى، وهل كانت يوما القومية العربية عنصرية ومتعصبة ، وهي التي ترتكز على تلك العلاقه السامية بين العروبة والاسلام ، ألم تعاني القومية العربية منذ اكثر من 800 عام من الظلم والقهر والاستعمار بشتى أشكاله ، ومن التجزئة والتخلف والامراض الاجتماعية ، وكل عوامل الانسحاق  للشخصية العربية . 

    يتقدم رئيس المعهد بكلمته ليحفر في اعماق الموروث القديم ومرجعياته، ماهو الموروث القديم هل هي طقوس وعادات أدخلت على الدين بفعل سياسة التجهيل التي اتبعها الغزاة للارض العربية من عثمانيين وصفويين واستعمار غربي مغلف برداء المدنية والتقدم ، فالموروث القديم  يتضمن كذلك  نتاج حضاري هائل في شتى مناحي الحياة . فكلمة "الموروث" جامعه للضدين معا، ولاندري ايهما يقصد.

ثم ينتقل للحديث عن التاريخ العربي ويريد دراسته دراسة تعتمد الحقائق العلميه، وهنا تضاف مهمة ثالثه للمعهد دون ان يحدد الوسائل الموصله لهذا الهدف ، وهنا أذكر بأن الشهيد القائد صدام حسين رحمه الله قد دعا عام 1977 في حديث له في مكتب الثقافة والاعلام الى أعادة كتابة التاريخ ، فتدخل جهد دولة العراق بمؤسساتها الثقافية والبحثية في هذا المشروع وبدعم لا حد له، مما أنتج العديد من الدراسات التاريخية الرصينة التي تناولت تاريخنا العربي بعد ان أزيلت عنها المفاهيم والافكار الشعوبية والاستعمارية .

حددت كلمة رئيس المعهد المهمة الرابعة في التعمق بدراسة مكونات الدين ، وهذه العبارة غامضة، وتعسرت على فهمي المتواضع ، فما هي مكونات الدين، اذا كان القصد الدين السماوي فماهي مكوناته ؟ ثم تضيف الكلمة ان يتم ذلك وفق منهج العلوم الاجتماعية الحديثه وعلم الاديان ، والجدير بالذكر في هذا الصدد، فقد نشرت في السنوات الاخيرة العديد من الدراسات التي حاولت ان تضع مسطرة واحده للاديان وان تخضعها للبحث والتحليل العلمي ، وهذا الامر يتسم بالتعقيد وان اي شطط فيه  سيوصل الى الالحاد ، وبالتالي فالمهمة محفوفة بأمواج عاتية لا اعتقد ان سفينة المعهد الصغيره تستطيع مواجهتها ، وبالرغم من ان رئيس المعهد يطمئننا الى ان هذا التعمق سيتم دون المساس بجوهر الدين . 

الدين اليوم ، لم يعد دينا واحدا ، بل مذاهب متعددة ، وهذا مثلما ينطبق على الاسلام ينطبق على الأديان الاخرى ، فعلى أي مذهب سيأتي تعمق هذا المعهد بدراسته ، أم انه سيتخذ المنهج الغربي" منهج الأستشراق" في دراسة مكونات الدين كما سماها ، ذلك المنهج المنتقد والمشبوه الوسائل والاهداف.

أما عن التصدي للتيارات والحركات المغطاة بغطاء الدين ، لاندري ما هو الجديد الذي سياتي به بعد ان قال البعث كلمته الفصل ، في محاضرة القائد المؤسس رحمه الله في مدرج جامعة دمشق يوم 5 نيسان 1943 ، والمعنونة " بذكرى الرسول العربي "، فقد تصدى البعث لهذه الحركات وأستمر بذلك ، فقد حذر القائد الشهيد صدام حسين رحمة الله عام 1978 في حديثه بمكتب الثقافه والاعلام عن هذه الظاهرة، وقد عنى المؤتمر القطري التاسع - قطر العراق- المنعقد في أواخر حزيران 1982 بدراسة تفصيلية اخذت حيزا مهما من التقرير المركزي الصادر عن المؤتمر ، وفيه تنبأ الحزب بدورها التخريبي للمجتمع العربي ، وشرح أسباب صعودها ، وأن مصيرها الى الافول .

وفي هذا الصدد أتخذت القياده في العراق وطيله مدة تسلم الحزب للسلطة ولحين الاحتلال الغاشم ، أجراءات حقيقيه للتصدي لهذه الظاهرة، وعلى كافة الصعد السياسية والفكرية والتربوية.  وبهذا الشان كتب القائد الشهيد صدام حسين رحمه الله  مقالا عام 1987  عن الحركات السياسية الدينية والحركات المغطاة بغطاء الدين ، بين فيه مخاطر هذه الحركات على الامن المجتمعي والامن القومي العربي محذرا الانظمة العربية من أن في سلوكياتها اليومية ما يشجع على نمو وانتشار هذه الظاهرة ، كما كتب رحمه الله مقالا على الصفحة الاولى من جريدة الثوره في أواخر تشرين اول 2001 حمل توقيع لكاتبه ، نبه فيه الى مخاطر التعامل مع هذه الحركات ، وان هناك من يفرخ الأفاعي على حد تعبيره في اشاره الى ما تلقاه من دعم وأحتضان من القوى الغربية والامبريالية .

بعد أحتلال العراق وتدمير دولته الوطنية من قبل المحتل الامريكي ، وكجزء من التفاهم والتوافق مع المشروع الأيراني تبؤأت فصائل الاسلام السياسي العميله صدارة العملية السياسية ، فأكملت ما عجز عنه المحتل من تخريب وتدمير للدوله والمجتمع وسرقة لمقدرات البلاد والعباد ، فكانت النموذج الأمثل  لهذه الظاهرةه السياسية الدينية ، التي بدأت شمسها بألافول بعد أن ادت أغراضها فقد منيت بالهزائم الفكرية  السياسية في أكثر من قطر بعد ان بان دورها المشبوه في تفتيت المجتمع العربي وتأمرها على الامة ، واسفرت عن وجهها الذي عرفه البعث وشخص مراميها منذ بداية انطلاقته .


   ثانيا: يقول رئيس المعهد في كلمته ، أن مشروع التجديد يسعى الى بناء فكري عربي جديد . . . ، وهذا الهدف بحد ذاته يدعونا الى التوقف أزاءه ، فهو في رأيه يتطلب توافر جمله من المسلمات مثلما سماها ، تبدأ بمسؤولية المفكرين والعلماء والباحثين ، ثم ينتقل للحديث عن الامكانيات العربية ، وهو هنا يتحدث عن الانظمة ، وأمكانيات الاقطار العربية ، كأن هذه الانظمة مهتمه أصلا في حشد أمكانياتها لنهضة الامة ووحدتها ،  ثم يشير الى علاقة المثقف بالسلطه ، وهذه معضله أزليه وخاصة عندما لاتكون السلطة في خدمه الشعب ، او عندما تنتقل أفكار التغريب واللبراليه الى عقول المثقفين العرب ، فيبدأو بأفتعال الازمات مع السلطه التي غالبا ما تكون ضيقة النفس ، فترد على المثقفين بالمزيد من التضييق ووضع السقوف امام ما يكتبون وينشرون .

بعد ذلك يتحدث عن التعاون مع المنظمات الرسميه والمهنيه والشعبيه المختصه بقضايا  الفكر بهدف(تحقيق وحدة الفكر)، ولاأدري ما المقصود بوحدة الفكر ، هل مقصود وحدة الفكر القومي ، أم أنه يقصد ان المعهد عليه أن يتوحد مع المدارس والتيارات الفكريه الشبيهه ، ثم يشير الى التواصل مع التيارات الفكريه العالميه ، وأخيرا يفصح عن هدف المعهد البعيد بالقول،  "ان مشروع التحديث يمثل رسالة مستقبلية دائمة وذلك في أطار سعيه ليكون مدرسة فكرية عربية حديثه تشع بنورها على ربوع الوطن العربي ".

والسؤال هنا عن اي مدرسة فكرية يتحدث ، حيث أن للفكر القومي راوفده المتعدده ، والتي يمثل البعث الطليعة فيها ، فهو مدرسة نضالية أثبتت جدارتها طيلة ثمانين عاما ، واسهم الفكر البعثي في وضع المعالجات لما يعانيه الوطن العربي بوضع الأهداف الكبرى للأمه ، فهل يسعى المعهد ان يكون بديلا عن الفكر القومي الذي سبق لرئيس المعهد أن اتهمه بالعجز .

يعود رئيس المعهد ليتحدث عن وحدة صفوف المفكرين والمثقفين ، وهؤلاء ينتمون الى مختلف الاتجاهات الفكريه ، فمنهم القوميون ومنهم الاسلاميون ومنهم الماركسيون ، واللبراليون ، وغيرهم ، فهل يريد رئيس المعهد ان يوحدهم في معهده وفي مدرسته الفكريه ، اليس ذلك ضربا من الخيال ، واللاواقعيه ،

في حزيران عام 1985  وجه القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق نداء العمل العربي المستقبلي ،  الذي جرت حوله حوارات متعدده مع صفوة من المفكرين العرب طيله اعوام 1985 ومابعدها ولحين رحيل القائد المؤسس عام 1989، فقد كانت هذه البدايه ، لوضع المفكرين العرب أمام مسؤولياتهم بالوقوف في الحد الادنى من الهم العربي ..ومن التحدي المصيري  الذي يواجه الامه ، وجرت مياه كثيره منذ ذلك الوقت والى اليوم . استحالة المهمه بتوحيد المفكرين تتأتى من ان كل واحد منهم يعتز برايه ولايتنازل عنه ولا يعتقد بصحة ما يطرحه الاخرون الا نادرا، ولو كان المعهد مركزا للدراسات السياسيه او الأستراتيجيه ، او ملتقى للحوار ، لهان الامر ، لكنه مدرسة فكريه فأي مفكرين سيوحدهم المعهد ؟ .تساؤلات وتساؤلات تحيط بكل ما يتعلق بهذا المعهد.


  ثالثا: يطلعنا رئيس المعهد عن التحديات التي جاء مشروع التجديد أستجابة لها ، وهي: الاولى الكارثه التي نتجت عن احتلال العراق. أحتلال العراق وتدميره حصل قبل ستة عشر عاما من تأسيس المعهد ، وهل الاستجابه لهذا التحدي تأتي بعد كل هذا الزمن ، صحيح أن في قياسات التاريخ هذه السته عشر عاما لاتشكل شيئا . ويتحدث عن أرتدادات كارثة أحتلال العراق ، بما حل بالوطن العربي بعد عام 2003 ، حقيقة الامر انها ليست ارتدادات بل  هي فشل الدوله القطريه ، بأن تحقق للأنسان العربي اهم حاجاته الاساسيه المتمثله بالأمن والتنميه ، وقد نبه لذلك وبتفصيل دقيق التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القومي الثاني عشر للحزب المنعقد في أواخر واوائل تشرين اول وتشرين ثاني 1992 .

      بعد ذلك يتحدث عن التحديات التاريخيه التي أعاقت تطور الفكر العربي وكبلته بقوه ، ولاندري هل يقصد بذلك ما قاله صراحة في ندوة حزيران  2020 ، بان ذكر الدولتين الأموية والعباسية ، وكأنه لم يطلع على ما أنتجه الفكر العربي في هذه الحقبه الطويله التي أمتدت ستمائه عام ، والانتاج الثقافي والمعرفي الذي تحقق خلالهما ، ولو نركز قليلا لنرى أن الهجمه الشعوبيه " الفارسيه " تحديدا قد هاجمت هذه الحقبه من تاريخنا ، بكل ما أوتيت من قوة وحاولت تشويه تاريخها والعبث به ، واختلاق الاقاصيص عنها خدمه للمشروع الشعوبي المستمر الى اليوم ، وهذا لايعني التسليم بتاريخ تلك الحقبه، ودون خضوعه للتمحيص والدراسه العلميه ، ولكن الانتباه لمحاولات الشعوبيه يدعونا الى  التحوط والتركيز في كل ما ينشر ويقال . 

يتحدث رئيس المعهد عن تحديات الحركات السياسيه المغطاة بغطاء الدين التي زجت الدين بالسياسه ، واستقرت في مهاوي الارهاب ، دون أن يبين لنا من فتح الابواب مشرعة أمام هذه الحركات لتنمو وتنتشر ، ومن أسسها ورعاها وجعلها تسلك هذا السلوك بتكفير المجتمعات والقيام بالارهاب ، اليست مسؤوليه الانظمه التي اغلقت الابواب أمام الانسان العربي ولم يجد سوى بابا واحدا يتخندق خلفه ، والتحليل يطول بشأنها ، لكن رئيس المعهد أختصر كل ذلك بسطرين ، لكي يتماشى مع النبره الغربيه المتصاعده في مواجهة مايسمى بالارهاب والذي لم يتمكن المجتمع الدولي من وضع تعريف جامع ومانع له ، حتى الان .  

     ياتي بعد ذلك ليتحدث عن الكارثه كشرط أساسي لولادة الفكر القومي الأصيل ، ويضرب أمثله عن نشوء الفكر العلماني في فرنسا -وكأنه يتحدث عن فصل الدين عن الدوله ، كرد على سلوك الكنيسه ، وبذلك فضح التدين الزائف . 

والمثال الاخر عن الفكر الماركسي اللينيني ويقول عند ولادته فضح النظام البلشفي في روسيا القيصريه ، وعرى فساد المرحله ، وحدد موقفا صارما من قضية الدين ،....  ولنا وقفة هنا ، اذ المعروف ان بدايات الفكر الماركسي كانت بالبيان الشيوعي الصادر  عام ١٨٤٨ ، والذي كتبه كل من كارل ماركس وفريدرك أنجلز ، وان الثوره الروسيه حدثت في روسيا عام ١٩١٧ ضد حكم القياصره ، وسميت بالثوره البلشفيه ، ولم يقم الفكر الماركسي ضد حكم البلاشفه ، يتبين ان هناك خلط واضح ولم تسعفه الذاكره جيدا. 

واخيرا يضرب مثالا عن الفكر القومي العربي منتصف القرن الماضي ، وأنه كان فضيحة لواقع التبعيه والاستعمار ...الخ ، هل هذا فقط ماقام به الفكر القومي، وقد الغى مئة عام قبل ذلك التوقيت الذي أشار اليه ، ام ان ذلك تسطيح لعقل المستمع ، وغمط لتاريخ حافل لهذا الفكر الذي لم يقف عند حدود  (فضح الواقع كما سماه رئيس المعهد) ، لقد انبثق الفكر القومي العربي من رحم معاناة الامه العربيه بعد سيطرة استعماريه قاربت الثمانمائه عام ، وقد وضع نظريته المركزيه المتمثله بالوحده والحريه والاشتراكيه ، ووضع الايديولوجيه العربيه الثوريه .


    رابعا: يحاول رئيس المعهد ان يرتدي ثوب المفكر حيث يقول" ان الاشتغال في مجال الفكر يشكل حاله استثنائيه في حياة البشر تحتاج شخصيه استثنائيه، كما ان مخاطره كبيره، لايستطيع مواجهتها الا من تعرضوا لكوارث عنيفه في اوطانهم او نكبات في حياتهم والا أولئك الذين أصيبو بجرح عميق وطعنات غادره في نفوسهم ووجدانهم ، هؤلاء فقط هم الناس الذين يولد لديهم الفكر كبيرا عميقا واصيلا " ، وهذه الفقره تأول تأويلا واضحا على رئيس المعهد بكل فقراتها ، وهنا نتساءل ، ماهو النتاج الفكري لرئيس المعهد، حيث لم يعرف عنه سوى أختصاصه الطبي ، وتصريحات سياسيه مرتبطه بزمن ومواقف محدده ، اما اذا كانت هذه الكلمه وما سبقها ، فانها لاتشكل شيئا يعتد به أزاء ماكتبه مفكرون عرب افذاذ يشار لهم بالبنان  وتملا مجلدات كتبهم ومشاريعهم الفكريه المكتبه العربيه . 

 وفي أواخر كلمته يتحدث عن الفكر الاصيل  وتجديد منظومات الفكر وان ذلك لايتحقق الا بالاستثمار في عقل الانسان وأنتاج المعرفه ، ليصل الى الكلمة الفصل"  دون عملية تجديد شامله لمنظومات الفكر السياسي والاجتماعي واللغوي والادبي . . . ودون بناء مدرسة فكريه عربيه حديثه" ، وهذا بيت القصيد الذي يرمي اليه رئيس المعهد لأعداد جيل من الباحثين ، لهذا لم يكترث رئيس المعهد بمن خرج من المعهد لانه يدرك ان خطابه ليس للجيل القديم الذين ارادهم ان يكونوا شهود زور على مشروع المعهد برمته ، للوصول الى اهدافه الدفينه والتي باتت واضحه بعد هذه الكلمه .


    خامسا: ختام الكلمه لخصت لنا رؤيته للفكره الملهمه التي بشر بها في حديثه في ندوة عام ٢٠٢٠ والتي حددها بـ (بناء مجتمع المعرفه والمواطنه العربية)، ويستند الى تقارير الامم المتحده الصادره عامي 2002 و2003 ، حول مجتمع المعرفه ، ولا ادري هل بقي الزمن قرابة العشرين عام ثابتا ، واين الارقام الحديثه ، ثم ماهي دقة هذه الارقام ، ومن المعروف ان للارقام لغتها وتحليلها ، وهناك من يزيد او ينقص من هذه الارقام لأهداف سياسيه محضه.

وبالعوده الى مفهوم رئيس المعهد للفكره الملهمه ، أقول اليست الحاجه الى الوحده العربيه والتي لم ترد لها أية اشاره في هذه الكلمه ، لازالت حيه ، في العقول والضمائر ، ثم أين الحقوق والحريات للانسان العربي -والتي اختصرها بالمواطنه-، أين الديمقراطيه ، والقائد المؤسس في خطاب الوداع في نيسان 1989، قال ان عنوان المرحله الوحده والديمقراطيه ، ولازالت بالرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاما عليها ماثلة  اصداءها .

وأين الاشتراكيه من أفكار رئيس المعهد ، أم انه تخلى عنها ، الاشتراكيه كما يراها البعث التي تعني اطلاق طاقات الانسان العربي وتمنع الاستغلال وتقضي على الجهل ، كما قال مؤسس البعث من ثمانين عاما ، اليس من الاولى ان تبنى الفكره الملهمه استلهاما من اهداف البعث ، اهداف الامه ، في الوحده والحريه والاشتراكيه ، (وان بصيغ اخرى تحمل جوهر هذه الاهداف المقدسه ).

نعم ان المواطنه العربيه لاتتحقق الا في دولة الوحده ، لان الدوله القطريه لاتستطيع وفق أليات بنائها ان تحقق المواطنه التي تضمن المساواة مثلما تضمن الحقوق والحريات لكل افراد المجتمع.


      هذا ما تضمنته كلمه رئيس المعهد يوم 7 تشرين ثاني 2021، وقد يلاحظ بأني قد وضعت مقياسا لماجاء فيها وهذا المقياس هو فكر حزب البعث العربي الاشتراكي ، لأبين للقاريء الكريم ، بان رئيس المعهد (كمن يريد أن يتاجر في بضاعتنا)، مستغلا موقعه السابق ، الذي أتاح له تكوين علاقات واسعه مع المفكرين والمثقفين العرب ،  وانسجاما مع طموح شخصي ونرجسيه لاتخفى ، حاول  من حيث يدري او لايدري ان يبين ان فكر البعث عاجز عن التجدد ومواكبة المرحله التي تمر بها الامه العربيه . فمحاوله تأسيس مدرسه فكريه توكد بما لايقبل اللبس او سوء الفهم ، ان رئيس المعهد وكل المنظمين فيه قد اختاروا هذه المدرسه الجديده ، طريقا لنشر مايؤمنون به، وتحقيق الاهداف التي يدعو لها المعهد ، بالوسيله التي يرتأونها . حيث ان المقارنه لاتصح أبدا بين حركة تاريخيه تعمل مئات السنين ، واثبتت جدارتها النضاليه والفكريه وقدمت مئات الالاف من الشهداء والتضحيات الجسام ،  وبين معهد أقل ما يقال فيه انه مشبوه الوسائل والاهداف ، برغم تغطيتها بغطاء التجديد. وهنا ادعو  من يؤمنون بفكر البعث ، عدم البقاء في هذا المعهد، لان هذا اعتراف منهم بعجز بفكر حزبهم ، وان المعهد ومدرسته هو البديل الفكري لما امنوا به .


وبعد ان انتهى المؤتمر وعاد كل الى محل أقامته ، وجه رئيس المعهد كلمه الى اعضاء المعهد يوم 2 كانون  اول 2021 لرفع معنويات أعضائه ، وبث الطمأنينه في نفوسهم ، بعد أن أنسحب من المعهد العديد من الشخصيات الوازنه ، محاولا التاكيد على الثوابت القوميه ، والأدعاء بأن المعهد لايخرج عن اهداف الفكر القومي ، ولكن هذا الامر يعاكس ما طرحه ، بأن من اهم  اهداف المعهد اقامه مدرسه فكريه جديده .

وبالختام اود ان أقول أن رئيس المعهد حر فيما يقول ويعمل وهذه أختياراته ، ولكن لتكون الصوره واضحه أمام الجميع وخاصه المفكرين العرب ، حول هذا المعهد ومراميه ، وبالامكان أصدار بيان بشان المعهد يضع النقاط على الحروف ، ولا تبقى الضبابيه سيدة الموقف . فحرية التفكير متاحه للجميع ، ولكن من يؤمن بأن البعث هو الطريق الاوحد لنهضة الامه العربيه وتحقيق رسالتها ، عليه ان لايفتش في جوانب الطريق والزوايا المظلمه الموبوءه مهما كانت النوايا حسنه ، فالنوايا الحسنه وحدها ، قد تؤدي الى التيه في الصحراء .

      

      وكما أسلفت ، فأن التجديد داخل الحزب ، على صعيد الفكر والممارسه،  مستمر ولا يمكن ان يقوم إلا داخل الحياة الحزبيه الداخليه ، وبأمكان المؤتمر القومي كأعلى هيئه فيه ان يقرر مايراه منسجما مع المرحله الزمنيه ، هذا ما الفناه في كافة مؤتمرات الحزب القوميه ، لا أن يأتي التجديد من خارج منظومة الحزب النضاليه ، فالبيئه الداخليه للحزب هي المجال الرحب لأي مفكر او مثقف مؤمن بالبعث ، ويبقى ما خلى ذلك  أجتهادا فرديا ، وعملا فكريا شخصيا ، أي نشاط فكري او ثقافي يقوم به أي مفكر أو مثقف .

                             25 كانون اول 2021

No comments:

Post a Comment

مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

  مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم هاتف الثلج قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل...